بقلم: المستشار وديع بنجابي
تستوقفنا الذاكرة الجمعية لجيل التسعينيات عند سجالٍ شهير، غلبت فيه القراءة الحرفية للمصطلحات على فهم جوهر الرسالة. حينها، انشغل الكثير من “الكبار” بمحاكمة لفظة “التطور” في أعمال الأنيمي (مثل أبطال الديجيتال)، غافلين عن أن أطفالهم كانوا يمتصون قيماً عليا تتعلق بالصداقة والنمو النفسي. هذا الصدام لم يكن مجرد اختلاف في التفسير، بل كان جرس إنذار لفجوة بين “جمود المصطلح” و”مرونة الفطرة”.
اليوم، ونحن نمرّ بمنعطف حضاري جديد تقوده الثقافة الكورية بذكاءٍ منقطع النظير، يبرز أمامنا مفهوم “الفيجيتال” (Phygital). وهو الفضاء الذي يتلاشى فيه الحد الفاصل بين الواقع المادي (Physical) والواقع الرقمي (Digital). هنا، نجد أنفسنا أمام تساؤل حيوي: كيف نضبط بوصلة التأثير الثقافي على أنفسنا وعلى أطفالنا دون أن نقع في فخ “الرفض الدفاعي” أو “الاستسلام المطلق”؟
“أنسنة” التكنولوجيا: النموذج الكوري مثالاً
إن النجاح الباهر للثقافة الكورية لم يأتِ من فراغ، بل من قدرتها على تقديم “تكنولوجيا بروح”. ففي الوقت الذي يخشى فيه الكثيرون من جفاف العالم الرقمي، نجد الفنان الكوري يستحضر رمزيات تاريخية كـ “المروحة الورقية” (Buchae) أو طقوس التطهير الشامانية، ليدمجها في صلب “الكليبات” العصرية.
هذا الدمج البصري، هو رسالة مفادها أن التكنولوجيا لا ينبغي أن تلغي الهوية، بل يجب أن تكون خادمة لها. إنهم لا يصدرون لنا أجهزة صماء، بل يصدرون “حالة شعورية” عابرة للقارات، تلمس فطرة الأطفال وتخاطب وعي الكبار.
دعوة للتأمل: ما وراء الشاشة
عزيزي القارئ، إن التساؤل الذي نضعه اليوم بين يديك ليس دعوة للقلق، بل هو توجيه إيجابي على التفكير:
- هل نربي أطفالنا على أن الشاشة هي “نافذة” تطل على القيم، أم أنها “جدار” يعزلهم عن واقعهم؟
- كيف يمكننا استثمار هذا الجذب الثقافي العالمي لتعزيز قيم النقاء والفطرة التي قد تشوهها أحياناً مادية الحياة الحديثة؟
إن الانزلاق نحو التفكير السلبي، الذي يرى في كل مؤثر خارجي “تهديداً” للهوية، هو تفكير يوغل بالعقل في وحل العزلة والجمود. وبدلاً من ذلك، الأجدر بنا أن نسأل: كيف نجعل من هذا “الارتقاء الرقمي” وسيلة لتعميق صلتنا بالواقع؟
الختام: السيادة للفطرة
إن التأثير الثقافي الإيجابي هو الذي يدفعنا للنضج، تماماً كما كانت تلك الرسوم القديمة تحرك فينا الشجاعة دون أن ندري. إن “الفيجيتال” هو فرصة تاريخية لترميم ما أفسدته التكنولوجيا الجافة، وذلك من خلال إعادة الاعتبار للرموز، للطقوس الإنسانية، وللمشاعر التي لا يمكن اختزالها في أرقام.
علينا أن نثق في فطرة أبنائنا، ونوجهها لتلتقط “الجمال” و”الحب” من هذه الثقافات، مع ترسيخ جذورهم في أرضنا الصلبة. ففي نهاية المطاف، ليست التقنية هي من يقودنا، بل تلك الروح التي تسكن خلف الشاشة وتعرف طريقها جيداً نحو النور.
ومع هذا الانفتاح، لا يمكننا إغفال التحدي المتمثل في ‘التعبئة الثقافية’ التي قد تحمل في طياتها عناصر ‘جنسانية’ أو أنماطاً سلوكية تُعتبر طبيعية في سياق مجتمعاتها المصدرة، لكنها قد تصطدم بمنظومة القيم المحافظة في مجتمعاتنا. وهنا تبرز مسؤولية المثقفين واولياء الامور على حد سواء: ليست في ‘المنع المطلق’ الذي أثبت فشله في عصر السماوات المفتوحة، بل في بناء ‘جهاز مناعة قيمي’ لدى المتلقي.
إن الهدف هو تمكين أطفالنا من مهارة ‘الفرز الثقافي’؛ بحيث يستطيعون استقاء الجماليات الفنية وقيم الطموح والعمل من هذه الثقافات، مع وعي تام بالمسافة التي تفصل بين نمط حياتنا الأصيل وما هو ‘عارض’ أو ‘دخيل’ في تلك المنتجات. إننا لا نريد لعقول أبنائنا أن تكون أرضاً مستباحة، بل نريدها أن تكون ‘مختبراً واعياً’ يفرق بين الإبداع الفني وبين الأنماط الاجتماعية التي لا تتسق مع هويتنا.”