✍️ بقلم: المحامي سنان منصر بيرق
في أروقة القانون، حيث تتقاطع المصالح وتتشابك الذمم، يبرز نظام الشركات السعودي الجديد ليس كأداة تنظيمية فحسب، بل كميثاقٍ أخلاقي صيغ بقالبٍ قانوني رصين. وإذا ما أمعن الناظرُ في نصوصه، سيجد مادةً تتلألأ بذكاءٍ تشريعي قلّ نظيره، مادةً هي حجر الزاوية في بناء الثقة الاستثمارية، وبوصلة النزاهة في مجالس الإدارة؛ إنها “المادة السادسة والعشرون”.
تأتي هذه المادة لتنزع القناع عن المفهوم التقليدي للإدارة، وتلبسه حُلّة “الأمانة المطلقة”، حيث نصت حرفياً على:
«يجب على مدير الشركة، أو عضو مجلس إدارتها، الالتزام بواجبات العناية والولاء، وبخاصة ما يأتي: 1- أداء مهامه في حدود الصلاحيات المقررة له. 2- العمل بما يحقق مصلحة الشركة ويعزز نجاحها. 3- اتخاذ القرارات أو التصويت عليها باستقلال تام…».
إنّ مكمن “الخطورة” و”القوة” في هذه المادة يتجلى في تحويلها “الولاء” من قيمة أدبية إلى التزام نظامي صارم، لا يقبل التأويل ولا يحتمل التراخي. هي مادةٌ ذكية؛ لأنها لم تكتفِ بوضع الأطر العامة، بل ربطت بقاء المدير في منصبه، بل وسلامة ذمته المالية، بمدى إخلاصه لكيان الشركة بمعزلٍ عن أي اعتبارٍ شخصي أو نفوذٍ خارجي.
لقد أدرك المنظم السعودي ببراعة أن “الإدارة” ليست مجرد سلطة، بل هي “رعاية”، لذا أوجبت المادة على المسؤول أن يبذل من العناية ما يبذله “الشخص المعتاد” في حرصه على ماله الخاص، بل وأكثر من ذلك حين ألزمته بالولاء المطلق لمصلحة الكيان، جاعلةً من أي انحرافٍ عن هذا المسار مدخلاً للمسؤولية الشخصية التي لا تُغتفر بمجرد إبراء الذمة في الجمعيات العامة.
إننا أمام نصٍّ لا يكتفي بتنظيم الأعمال، بل يحمي “سمعة الاستثمار” في وطنٍ طموح. إن المادة السادسة والعشرين هي الحارس الأمين الذي يقف بصلابة أمام تغوّل المصالح الشخصية، وهي في نظري، المادة الأقوى تأثيراً، والأذكى صياغةً، والأخطر عاقبةً لمن سوّلت له نفسه العبث بمقدرات الشركاء والمساهمين.
بهذا المنطق التشريعي الفذ، يبرهن نظام الشركات السعودي أنه لم يأتِ لمواكبة العصر فحسب، بل لصناعة مستقبلٍ مالي وقانوني يرتكز على قيم العناية والولاء كأعمدةٍ ثابتة لا تميل.