في الآونة الأخيرة، دار لغطٌ مجتمعي حول مفهوم العمل التطوعي، حيث يرى البعض فيه “بديلاً مجانياً” للتوظيف، أو وسيلة لتقليص التكاليف من قِبل المؤسسات. ولكن، من منظور تنموي ومهني، نجد أن الحقيقة تختلف تماماً؛ فالتطوع ليس خصماً من رصيد التوظيف، بل هو الرافد الأساسي الذي يصب في مصلحة بناء الكفاءات الوطنية وتعزيز تماسكنا المجتمعي.
التطوع مكمّل.. وليس منافساً
إن العمل التطوعي في الشركات الكبرى والمؤسسات لا يستهدف إحلال المتطوع مكان الموظف الأساسي. فالوظيفة الدائمة لها هيكلها، التزاماتها، وحقوقها القانونية والمالية. أما التطوع، فهو مساحة للمشاركة المجتمعية في مبادرات نوعية ومؤقتة، تهدف إلى تقديم قيمة إضافية للمجتمع لا يمكن حصرها في مهام وظيفية روتينية برواتب ثابتة. إنه “القيمة المضافة” التي تمنح المؤسسة روحاً، وتمنح الشاب فرصة للتجربة والتعلم في بيئة حقيقية.
رؤية طموحة.. وقيادة تلهمنا العطاء
تأتي هذه الروح التكاملية مدعومةً بتوجهات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، حيث وضعت رؤية المملكة 2030 هدفاً طموحاً للوصول إلى مليون متطوع. هذا المستهدف ليس مجرد رقم، بل هو استراتيجية وطنية كبرى للاستثمار في الإنسان، وتعزيز الشراكة بين القطاعين الحكومي والخاص والأفراد، لبناء مجتمع حيوي يقوده أبناؤه بعطائهم وخبراتهم.
لماذا نتطوع؟ (الاستثمار لا “المجان”)
المتطوع الذكي لا ينظر لجهده على أنه عمل “بالمجان”، بل هو مستثمر بامتياز:
بناء القدرات: برامج التطوع الاحترافي توفر تدريباً مهنياً مكلفاً يمنح الشاب “الخبرة” التي يطلبها سوق العمل ويشترطها في الوظائف المرموقة.
شبكة العلاقات: التطوع هو أسرع طريق لبناء شبكة علاقات مهنية مع قادة الفكر والمديرين، مما يفتح أبواب الفرص الوظيفية لاحقاً.
تعزيز السيرة الذاتية: صاحب العمل يبحث دائماً عن الشخص “المبادر” الذي أثبت جديته في الميدان قبل أن يطلب الأجر.
كيف نرد على المشككين؟
عندما نواجه طرحاً يصور التطوع كعائق أمام التوظيف، علينا التركيز على ثلاث ركائز:
المنفعة المتبادلة: المؤسسات تنفق مبالغ طائلة لتأهيل المتطوعين وتوفير بيئة آمنة لهم؛ فهي تقدم “معرفة” مقابل “وقت”، وهي معادلة رابحة للطرفين.
المسؤولية الاجتماعية: دعم الشركات للمتطوعين هو واجب وطني وأخلاقي يعكس انتماءها، وليس محاولة لتقليل المصاريف الإدارية.
جسر التمكين: التاريخ المهني يثبت أن التطوع كان وما زال “الجسر” الأقوى الذي عبر من خلاله آلاف الشباب إلى وظائف أحلامهم بفضل ما اكتسبوه من ثقة ومهارة.
خاتمة
إننا اليوم أمام مرحلة تتطلب الوعي والنضج في فهم أدوارنا. التطوع هو نبض المجتمع، والتوظيف هو محركه الاقتصادي، وكلاهما يعملان معاً في تناغم لرفعة هذا الوطن المعطاء.