جدة – ماهر عبدالوهاب
إذا تساءلنا: هل الشعر معرفة خالصة؟ -بمعنى ثقافة عامة ومعلوماتية يوظفها الشاعر لإنتاج قصيدة متماسكة- الإجابة ستكون “لا”.. فالمعرفة بهذا المفهوم لا تصنع شعرًا، لا تخلق أثرًا فنيًّا في نفس المتلقي..
إذًا، هل الشعر الجيد مبنيٌّ على “لا معرفة”، أي فطرة خالصة؟
الإجابة ستكون بالتأكيد “لا” أيضًا.. فالشعر الجيد هو المشحون بمعرفة ضخمة دون أن يبدو منها شيء واضح! الشعر، حسب إليوت، يقدم الجانب الحسّي العاطفي للمعرفة وليس جانبها العقلاني الجامد.
بالتوازي هنا، في قصيدة “لحن كورساكوف الباطني”، تقول الشاعرة منال رضوان:
“كورساكوف العائد من شرخ في زجاج نافذة قديمة تنزف رذاذًا.. يلثم مقبضها الصامت، يوقظ الأوراق المنسية، يستدرج من زوايا الغرفة حكايةً بلا صياح الديكة..”..
تلك الذاكرة القديمة هي التي تبقى، فيما تُمحى الذاكرة الحديثة المتآكلة كزمنها، هذا ما يصل إلينا من الحالة الشعرية لديوان “المجد للطرقات القديمة” للشاعرة منال رضوان، الصادر عن دار “أم الدنيا” عام 2025.
سيطرة تشكيلية
هناك قصدية واضحة على طول لغة الديوان بأن تسيطر تقنية الألوان وتشكيلها على تراكيب المشهد الشعري المطروح، تفعّله “امرأة من زمن مفقود، تعرف أكثر مما ينبغي”، حسب قولها الشعري.
على حافة بُرهة
تطرح الذات الشاعرة في الديوان قدرات فذة لخلق صور غرائبية معدنها الأصلي هو الأسطورة، فتقول:
“في تقليد مهيب لتسابيح أورفيوس
عزفت الأفعى أنغامها الزرقاء
بوتر مشدود على حافة برهة
صوبت السهم تجاه امرأة من زمن مفقود
تعرف أكثر مما ينبغي
تتأبط ألواحًا مُذهَّبة لسقوط آدم”..
هذا المزج الملحمي بين ما هو ديني وأساطيري وذاتي، يخلق مشاهد متحركة، وتبدو الأسطورة هنا أداة عميقة الأثر تتلاعب بها الشاعرة لإخراج الذات من محيطها الضيق إلى أبعاد أكثر اتساعًا، أكثر كونية، عِوضًا عن الانحباس في ذات محاصرة بالفردية الضيقة.
في قصيدة “زبد النداء”، تقول الشاعرة:
“الشعراء أبناء للريح
حين يصير الحرف ندبة في جبهة القصيدة
يعطيني الهامش مَتنًا
ينتفض البحر، فيسيل زبدًا على مرافئ التأويل”..
وتقول فيها أيضًا:
“لستُ أنا هنا
أنا كل ما تركته القصيدة في عزلة المعنى
لم تصاحبني إلى قاعها الأول
أوثان راقدة تلاحقها فأس الهدم..
فهل أقول:
يا وجعي تمهل
أم (…):
يا زمن الغرقى، أفرغ كفك من روحي
كف عن هذا الصفير
فلا إعصار يمنح سلامًا لأبناء الريح!”..
إذا تتبعنا هذه اللغة سنجدها متحررة من منهجية قصيدة النثر وشروطها، فلا هي تستبعد تراكيب المضاف والمضاف إليه، ولا تحاول تجنبها، بل نراها في صدارة القصيدة، عنوانها، وهذا لا يعني إلا أن الشاعرة ليست مشغولة بشروط شعرية كتبها غيرها، بل تحاول أن تُفرغ ذاتها كما هي.. مرة ترى لغتها الشعرية بلا صور، ومرة أخرى تراها مكدسة بصور متداخلة ومعقدة، فلا هي رهن حداثة، ولا ما بعد حداثة، ولا هي ضد كلاسيكية تركيب لغوي ولا مع قِدَم اللغة، هي انتصار لحرية ما، حرية الشعراء التي سمتهم بأنهم أبناء الريح، فالريح لا تعرف قديما أو حديثا، بل تتحرك وفق شروطها هي، ولا أحد يمليها عليها.
عمود الخيمة
في قصيدتها التي حملت اسم الديوان، المجد للطرقات الوحيدة، هناك امتداح للغياب تكرس على طول نصوصه ولغته، التي أخرجت من القواميس ألفاظا قديمة الاستخدام وبالية أحيانا لإعادة إحيائها، وهذه إشارة أخرى للقدرات المعرفية اللغوية، ويمكننا أن نسمي هذه القصيدة إذًا عمود خيمة الديوان.
ففيها تقول الشاعرة:
“المجد للطرقات التي لا يرافقها أحد
تلك التي تفضي إلى الغياب
تبتسم كأنها تعرف أن الوصول مخاتلة صغيرة
المجد للخطى التي لا تترك أثرا
لصوت يتلاشى في صدر الهواء
لعزلة يتقنها القلب حين يفيض بالضجيج
المجد لظل يتمدد بلا شمس
لعصف تأكله الريح”.
العدم واللا نهائية هنا يتعانقان ويبرزان روحًا تتحرك في فراغ ممتد، لا هداية فيه ولا وصول:
“المجد لليل يشعل سماء لا تهدي أحدا
لأعين تتبع وهجها
كي توقن أنهم يبصرون”.
هذه الأمانيّ العدمية يمكن القول إنها من المفاهيم الفلسفية الوجودية العميقـة التي استوطنت احتلت روح شعراء الحداثة وما بعدها، فنراها تتحول إلى صور حسية ومشاعر تتملك الشاعر لتعكس حيرة الإنسان أمام مصيره، والزمن، والكون، وإن كانت القصائد تكتفي إلى إشارت عاطفية أنثوية.
والعدمية في أشعار منال رضوان ظاهرة في ألفاظ قصائدها: “لصوت يتلاشى، الغياب، الوصول مخاتلة”، كما يظهر العدم في صورة حالة غير لفظية من مجموع ما تصدره القصيدة من شعور بالفناء أو الغياب “لستُ أنا هنا.. أنا كل ما تركته القصيدة في عزلة المعنى”، وهنا يظهر العدم بثقة كأنه صورة من صور الوجود الحي، وهذا ما يحققه الشعر باعتباره مخزنا للغيب الذي يلد وجوده الخاص.
هذه الروح اللا نهائية هي ما تحقق للشاعر عزلة حرة، غير مقيدة ولا مربوطة ولا مقترنة بشيء، هي الحركة في اللا محدود عبر لغة فضفاضة، تتجاوز الزمان والمكان لتحقيق جمالية ما، جمالية معتمدة على الاتساع المطلق، كأنه اختراع لقارة جديدة أساسها خفة الوزن والتحرر.


