“مياه المستقبل: بين التحلية الذكية والمعالجة الكيميائية”

بقلم الدكتور/
مازن إسماعيل محمد : مكة المكرمة:-

في عالم يزداد فيه الطلب على المياه العذبة، أصبحت تقنيات تحلية ومعالجة المياه محورًا أساسيًا لضمان الأمن المائي والاستدامة. التطور العلمي في هذا المجال أتاح حلولًا أكثر كفاءة وأقل تكلفة، تجمع بين الأساليب الفيزيائية والكيميائية والابتكارات الحديثة، لتلبية احتياجات المجتمعات في مواجهة ندرة المياه وتلوثها.
تتصدر تقنيات الأغشية مثل التناضح العكسي (Reverse Osmosis – RO) المشهد العالمي، حيث تعتمد على دفع المياه المالحة عبر أغشية دقيقة لإزالة الأملاح والملوثات بكفاءة عالية، رغم حاجتها إلى استهلاك كبير للطاقة. إلى جانبها، يظل التقطير متعدد المراحل (Multi-Stage Flash – MSF) خيارًا تقليديًا للمحطات الضخمة، لكنه يستهلك طاقة حرارية مرتفعة. أما التناضح الأمامي (Forward Osmosis – FO) فيمثل نقلة حديثة، إذ يستخدم فرق التركيز بين محاليل لسحب المياه العذبة من المالحة، بكفاءة طاقية أفضل من RO. وفي المناطق المشمسة مثل مصر والسودان، تبرز التحلية بالطاقة الشمسية كحل صديق للبيئة، يعتمد على تسخين المياه المالحة باستخدام الطاقة المتجددة. ومن الابتكارات اللافتة أيضًا تقنية الأقطاب الكربونية التي طورتها جامعتا ميشيغان ورايس، حيث تزيل ملوثات خطيرة مثل البورون والزرنيخ بكفاءة عالية، وتخفض التكلفة بنسبة تصل إلى 15%.
أما على صعيد المعالجة الكيميائية للمياه، فهي تظل العمود الفقري لضمان مياه آمنة للشرب. أكثر الطرق شيوعًا هو التطهير بالكلور، الذي يقضي على البكتيريا والفيروسات مثل الكوليرا والتيفوئيد. كما يستخدم هيبوكلوريت الصوديوم (NaOCl) لإنتاج حمض ناقص الكلور (HOCl)، وهو مؤكسد قوي يزيل الطحالب والجراثيم. ولتحسين صفاء المياه، تُضاف المخثرات الكيميائية مثل كبريتات الألمنيوم وكلوريد الحديديك، التي تجمع الجزيئات الدقيقة في كتل كبيرة يسهل ترسيبها. يلي ذلك عمليات التلبيد والترسيب، ثم الترشيح بالفحم والرمل لإزالة المواد العضوية والصلبة المتبقية. ولمنع تآكل الأنابيب، يتم ضبط الرقم الهيدروجيني (pH) باستخدام الحجر الجيري أو هيدروكسيد الصوديوم، إضافة إلى الفوسفات الذي يحمي الأنابيب من التلوث المعدني. وفي مواجهة الملوثات الصناعية المعقدة مثل “المواد الكيميائية الأبدية” (PFAS)، ظهرت أنظمة حديثة تعتمد على المحفزات الكيميائية، قادرة على إزالة هذه المركبات بنسبة تصل إلى 90% خلال ساعات قليلة.
رغم هذه الإنجازات، تبقى التحديات قائمة: من ارتفاع التكلفة واستهلاك الطاقة في بعض الطرق التقليدية، إلى مشكلة التخلص من المياه المالحة المركزة (Brine) التي تمثل خطرًا بيئيًا. لكن الاتجاه العالمي اليوم يسير نحو التقنيات منخفضة الطاقة وصديقة البيئة، مثل FO، التحلية الشمسية، والأقطاب الكربونية، إلى جانب الابتكارات الكيميائية التي تستهدف الملوثات الناشئة.
في النهاية، يمكن القول إن مستقبل المياه العذبة يعتمد على التكامل بين التحلية الفيزيائية المتقدمة والمعالجة الكيميائية الذكية، بما يضمن توازنًا بين الكفاءة الاقتصادية، الأمان الصحي، والاستدامة البيئية. الجمع بين التناضح العكسي المدعوم بالطاقة الشمسية وابتكارات مثل المحفزات الكيميائية لإزالة PFAS يمثل الطريق الأمثل نحو تحقيق أمن مائي مستدام في مصر والمنطقة العربية، حيث يصبح العلم شريكًا أساسيًا في مواجهة تحديات الحياة اليومية

شاهد أيضاً

أمانة جدة تطلق حملة توعوية بارتفاع ضغط الدم ضمن برامج الشراكة المجتمعية

منصور نظام الدين –نوال مسلم :جدة:- فعّلت أمانة محافظة جدة اليوم الأحد الموافق 17 مايو، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *