فخ الاستحقاق الزائف: حين تسرق “العبارات التحفيزية” روح العطاء

​تنتشر في فضائنا الرقمي اليوم عبارات براقة تُسوَّق على أنها جرعات تحفيزية، من قبيل: “إذا استمريت في قبول أقل مما تستحق، فالحياة ستستمر في إعطائك نفس المستوى”. في ظاهرها، تبدو هذه الكلمات دعوة لتقدير الذات، لكن عند إمعان النظر، نكتشف أنها تحمل في طياتها خللاً مفاهيمياً عميقاً، وتؤسس لعقلية قد تكون معول هدم، خاصة في بيئات العمل التطوعي والقطاع غير الربحي.
​الحياة لا تُعطي.. الله هو المعطي والمانع
الخطأ الأول والأكبر في هذه العبارات هو نسب العطاء والمنع لـ “الحياة”. الحقيقة الإيمانية الراسخة التي تغيب عن هذه الفلسفة المادية هي أن الله سبحانه وتعالى هو المعطي والمانع. متى ما وصل الإنسان إلى قناعة تامة بأن ما وُهب له هو من الله، وأن اختيار الله له هو الخير المُطلق وهو ما يستحقه فعلاً بحكمة إلهية، تتغير نظرته للحياة بأكملها. هذا اليقين يزرع في النفس طمأنينة ورضا، ويحمي الإنسان من الدخول في صراعات استنزافية بحثاً عن سراب “الاستحقاق الدنيوي”.
​وهم المقايضة في ساحات التطوع
في قطاع العمل الاجتماعي والتطوعي، تبدو خطورة هذه العبارات أكثر وضوحاً. هذا القطاع لم يُبنَ يوماً على مبدأ الندية أو عقلية “ماذا سأجني في المقابل؟”. المتطوع الحقيقي يبذل وقته وجهده مدفوعاً بنبل الغاية وابتغاء الأجر من الله.
​عندما تتسرب ثقافة “الاستحقاق” و”عدم قبول الأقل” إلى نفوس العاملين في هذا الميدان، يتحول العطاء الصافي إلى سلسلة من المقايضات. يصبح الفرد دائم البحث عن التقدير الخارجي، أو المظاهر، أو العائد السريع. وحين لا تتحقق هذه التوقعات المادية أو المعنوية بالقدر الذي رسمه لنفسه، يتولد لديه شعور بالنفور والإحباط، ويبدأ في الانسحاب من ساحات الخير، ظناً منه أن بيئة العمل “لا تقدر قيمته”، بينما الحقيقة هي أن بوصلة الغاية لديه قد انحرفت.
​”الإدارة بالحب”.. الترياق الفعال
كيف نحمي بيئاتنا التطوعية من هذا الفخ؟ الإجابة تكمن في تبني فلسفة “الإدارة بالحب”. هذه الفلسفة القيادية لا تنظر إلى الأفراد كأدوات لتحقيق أهداف، ولا تتعامل معهم بلغة الأرقام والمكافآت الدنيوية فقط، بل تؤسس لبيئة تحتضن الشغف، وتعزز الشعور بالانتماء، وتُذكّر دائماً بالغاية الأسمى والأجر الأخروي.
​الإدارة بالحب تعني أن نقدر جهود العاملين والمتطوعين بصدق، ليس كاستحقاق مادي بحت، بل كاحتفاء بروح البذل. تعني أن نزرع فيهم أن أعظم مكافأة هي الأثر الذي يتركونه في مجتمعهم، وأن ما يصنعونه من تغيير إيجابي هو الرصيد الحقيقي الذي لا ينضب.
​ختاماً..
فلنحذر من العبارات التي تنفخ في “الأنا” على حساب “النحن”، وتستبدل يقين الرضا بما قسمه الله، بوهم الصراع مع “الحياة”. العطاء الحقيقي لا يُقاس بما نأخذه من فرص أو علاقات، بل بما نتركه من أثر طيب، بيقين تام أن المعطي والمانع هو الله، وأن ما عنده خير وأبقى.

شاهد أيضاً

تتويج بحريني للمسيرة الإعلامية والفنية لـ سامر العوفي

متابعات :جدة:- من بين ثنايا الحرف وخلف عدسات التوثيق تتبلور المسيرة الاستثنائية للإعلامي والكاتب الصحفي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *