يُعد المفكر والفيلسوف طه عبد الرحمن “وحيد عصره” في مشروعه الفلسفي الذي يهدف إلى إحداث نهضة أخلاقية أصيلة للأمة الإسلامية، من خلال تجاوز “التقليد” إلى “الإبداع” ومن “الخمول” إلى “الانبعاث” [3، 8، 28]. يتلخص مشروعه في رحلة جليلة بدأت من عالم العقل وانتهت في عالم الروح، متمحورة حول إشكالين أساسيين واجها الأمة [3، 8].
أولاً: إشكال العقل (من التقليد إلى الإبداع)
استحوذ هذا الإشكال على فكر طه عبد الرحمن لعدة عقود، متمثلاً في حالة جمود العقل المسلم وغرقه في التقليد، سواء كان تقليداً للمتقدمين أو للمحدثين [8، 10]. ولحل هذا الإشكال، ركز في منهجه على عدة نقاط:
- المنهجية المأصولة مقابل المنقولة: انتقد المناهج “المنقولة” التي يستخدمها الحداثيون لتقويم التراث دون دراية بأصولها الثقافية والتقنية، مما أدى إلى ثقافة هجينة تفرق بين اللسان والفكر [11، 12، 14]. ودعا بدلاً من ذلك إلى “منهجية مأصولة” تصلح بين اللسان والعقل [12، 15].
- التداوليات (Pragmatics): أسس طه عبد الرحمن “الطور التداولي” في فكره، وهو المصطلح الذي وضعه في السبعينات، ليربط بين الفكر واللسان والثقافة التي يحملها هذا اللسان، سعياً لخلق فكر نتداوله بتصالح وتوافق [9، 10، 15].
- مفهوم الهوية: يرى أن ترجمة مصطلح “Identity” الغربي بـ “الهوية” ترجمة فاسدة؛ فالهوية في التراث العربي تعني “الوجود”، بينما في الغرب تعني “العينية” أو التميز عن الآخر بغير القيم [17، 19]. أما في الثقافة الإسلامية، فتميز الإنسان هو تميز قيمي وليس وجودياً فقط، فالإنسان “كائن بائن” بقيمه [20، 25].
ثانياً: إشكال الإرادة (من الكلالة إلى الانبعاث)
يتعلق هذا الإشكال بحالة الخمول أو “الكلالة” التي أصابت إرادة الأمة، مما جعلها لا تأتي بخير أينما توجهت. ويركز الحل هنا على:
- مفهوم الأمانة والمسؤولية: يرى أن الإنسان موجود في المسؤولية على الدوام، وهي تحيط به من كل جانب [29، 33]. هذه المسؤولية مستمدة من مفهوم “الأمانة” القرآني، والتي تتجاوز مجرد المسؤولية القانونية إلى مسؤولية وجودية [28، 29].
- تغيير العلاقة بالعالم: دعا إلى تحويل علاقتنا بالعالم من مجرد “إدراك واستعمال” إلى “احتضان وائتمان”. فالعلاقة الإدراكية تصبح “احتضانية” تنطوي على الرعاية، والعلاقة الاستعمالية تصبح “ائتمانية” يشعر فيها الإنسان أنه مؤتمن على كل ما يحيط به.
- الفلسفة الائتمانية: أسس دعواه الفلسفية على أنه “لا أمانة بغير إيمان”، مبرهناً على ذلك عقلياً [34، 35]. واستنتج أن الأمانة توجب كمال العقل وتمام العدل، وأنها تنقسم إلى “أمانة احتفاظ” (بالودائع) و”أمانة اعتناء” (بالفضائل كالصبر والحب) [37، 39].
ثالثاً: النموذج النبوي كأساس للأخلاق
يرى طه عبد الرحمن أن تمام الخروج من التقليد إلى الإبداع (تتوير العقل) وتمام الخروج من الخمول إلى الانبعاث (تتوير الإرادة) قد تحقق في العقل والإرادة النبوية [40، 42].
- الصدق كمركز للعقل: الصدق هو القيمة التي تخصص جميع الأخلاق الأخرى (مثل صدق الصبر، صدق الحلم) [43، 44]. ومن كمال الصدق عند الرسول ﷺ نستنتج التوحيد؛ فالصادق بحق هو الموحد لله [45، 46].
- الأمانة كمحيط للإرادة: الأمانة هي القيمة التي تعمم الأخلاق كلها، ومن كمال الأمانة عند الرسول ﷺ نستنتج العدل؛ أي إعطاء كل ذي حق حقه [44، 47، 48].
- أطوار التربية النبوية: يشبّه “الطور التداولي” في فكره بالطور المكي (تربية العقول على الصدق)، و”الطور الائتماني” بالطور المدني (تربية الإرادات على الأمانة).
رابعاً: الفلسفة وقضايا الأمة المعاصرة
- التصوف أصل الفلسفة: يرى أن التصوف وجد قبل الفلسفة وكان يجمع بين التفكر والعمل، بينما جردت الفلسفة النظر وجعلته مستقلاً [55، 57].
- فلسفة المقاومة والثغور: يدعو إلى إنشاء مفاهيم مستنبطة من المقاومة، مثل مفهوم “الثغر”؛ حيث يجب على كل فرد أن يقف في “ثغر فكري” يواجه فيه أفكار العدو بما يناسب إمكاناته [59، 60، 63].
- نقد “أسلمة المعرفة”: يرى أن مشروع أسلمة المعرفة لم يؤتِ ثماره المرجوة لأنه لم يبنِ فلسفة تأسيسية تحرر طريقة التفكير قبل الجمع بين الإسلام وغيره [69، 70].
- القيم والأحكام: يتفق مع وائل حلاق في أن الأخلاق أساسية في الشريعة، وينبه إلى خطورة تطبيق الأحكام الشرعية دون تحقيق القيم التي تحتها، مما يحول التعبد إلى ممارسة آلية خالية من الروح [90، 91].
يؤكد طه عبد الرحمن في ختام طرحه أن هدفه هو تقديم “البديل المبدع”، داعياً الأجيال القادمة إلى عدم الاكتفاء بالنقد، بل الإتيان بما هو غير مسبوق للنهوض بالأمة [77، 78]. كما يشدد على أن المسؤولية التي يحملها المسلم هي مسؤولية عالمية ووجودية تشمل إصلاح أخطاء العالم بأسره.