بقلم: ايلاف احمد الميمني – متدربة في حاضنة مأمني. الابداعية
في عام 1954، نشر عالم النفس الأمريكي بول فيتس دراسةً عن دقّة الحركة البشرية، خلص فيها إلى معادلة بسيطة: الزمن اللازم للوصول إلى هدف يتناسب طردياً مع بُعده عن نقطة البداية، وعكسياً مع حجمه. لم تكن الدراسة عن الحواسيب — فالحاسوب الشخصي لم يكن قد وُجد بعد — لكنها بعد أربعة وعشرين عاماً، حين قاس فريق كارد وإنجليش وبير أداء فأرة الحاسوب عام 1978، تحوّلت إلى أحد أكثر قوانين تصميم الواجهات قابلية للقياس، وعُرفت باسم «قانون فيتس».
لماذا تصغر الأزرار فتكبر المشكلة
الوصول إلى زرٍّ على الشاشة ليس حركة واحدة، بل حركتان متتاليتان: اندفاعة سريعة تقرّب اليد من الهدف، ثم سلسلة تصحيحات دقيقة صغيرة حتى تستقرّ عليه. الاندفاعة تطول كلما بَعُد الهدف، والتصحيحات تكثر كلما صَغُر.
وعلى الشاشة اللمسية تتضاعف الكلفة لسببين: الإصبع أداة أعرض من مؤشر الفأرة وأقل دقة، وهو يحجب الهدف عن النظر في اللحظة نفسها التي يلمسه فيها. لذلك لا يكفي أن يكون الزر موجوداً وواضحاً؛ موضعه وحجمه هما ما يحدّدان كلفة الوصول إليه فعلياً.
من نظرية إلى رقم في الأدلة الرسمية
ما يميّز هذا القانون أن الصناعة حوّلته إلى أرقام صريحة لا تحتمل الاجتهاد: أبل توصي في دليلها بمساحة لمس لا تقل عن 44×44 نقطة لكل عنصر تفاعلي، وماتيريال ديزاين من جوجل يوصي بـ 48×48 وحدة مستقلة عن الكثافة، ومعايير الوصولية WCAG تضع 44×44 بكسل حداً أدنى مع التنبيه إلى أن سياقات الاستخدام قد تتطلب أكبر من ذلك.
وثمّة تفصيل عملي يغيب عن كثيرين: المساحة القابلة للّمس لا يلزم أن تساوي حجم الأيقونة المرئية. يمكن للمصمم أن يُبقي الشكل صغيراً أنيقاً، ويوسّع المساحة المستجيبة حوله بالحشو الداخلي — فيجتمع له الجمال والإتاحة معاً.
الوجه الآخر: حين نستخدم القانون معكوساً
القانون لا يقول «كبّر كل شيء». فالإجراءات التي لا يمكن التراجع عنها — كالحذف النهائي أو إلغاء الطلب — يُستحسن أن تُصغَّر وتُبعَد عمداً عن مسار اليد. هنا يُستخدم القانون في الاتجاه المعاكس: لا لتسريع المستخدم، بل لإبطائه لحظةً يستعيد فيها انتباهه قبل قرار لا رجعة فيه.
كذلك تُفسّر لنا حواف الشاشة وزواياها ظاهرة يعرفها كل مستخدم دون أن يسمّيها: المؤشر يتوقّف عند الحافة مهما دُفع، فتصبح الحافة عملياً هدفاً بعرض لا نهائي. ولهذا استقرّت القوائم وأشرطة الأدوات في أطراف الشاشة منذ عقود، لا لأن ذلك أجمل، بل لأنه أسرع.
حيث يتحوّل التفصيل التقني إلى مسؤولية
يظهر أثر هذا القانون بأوضح صوره عند الفئات التي كثيراً ما تغيب عن حسابات المصمم: كبار السن، وذوو الإعاقة الحركية، ومن يستخدم جهازه بيد واحدة وهو واقف في زحام. عند هؤلاء لا يكون الهدف الصغير إزعاجاً بسيطاً، بل مانعاً حقيقياً يحول بينهم وبين إتمام المهمة.
ولهذه الملاحظة وزن خاص في مدينة كمكة المكرمة، حيث تُبنى تطبيقات وخدمات رقمية يستخدمها ملايين الزوار من مختلف الأعمار واللغات ومستويات الإلمام بالتقنية، وكثير منهم يستعملها لأول مرة، تحت ضغط الوقت والزحام. زرٌّ أصغر مما ينبغي في تطبيق تصريح أو موعد أو نقل ليس عيباً جمالياً، بل عائق خدمة يتكرّر أثره بعدد مستخدميه.
خلاصة
قانون فيتس يمنح المصمم ما نادراً ما يمنحه الذوق وحده: معياراً قابلاً للقياس. فبدل السؤال الغامض «هل الزر واضح؟»، يصبح السؤال دقيقاً: كم يبعد؟ وكم يقيس؟ وهل يبلغه المستخدم دون أن يُعيد ترتيب يده؟
وهو في جوهره تذكير بأن جودة الواجهة لا تُقاس بما تعرضه، بل بمقدار الجهد الذي توفّره على من يستخدمها.