هديل ماجد الشريف – مأمني الإبداعية
في ضغوط الحياة اليومية وبيئات العمل المتسارعة، نجد أنفسنا أحياناً أمام مواقف تتصاعد فيها نبرات الصوت وتشتد ردود الأفعال، أو على العكس، نرى انسحاباً تاماً وصمتاً مربكاً يهدد استقرار التواصل والعمل الجماعي.
كثير من الناس ينظرون إلى “الغضب” بوصفه سلوكاً مستقلاً قائماً بذاته، غير أن الفهم العميق للنفس البشرية يوضح أن الغضب غالباً ما يرتدي قناع القوة والسيطرة ليخفي وراءه مشاعر أخرى أكثر هشاشة: الخوف.
1. الغضب كقناع للمخاوف الدفينة
حينما يشعر الإنسان بالتهديد — سواء كان تهديداً لمكانته، أو خوفاً من الفشل، أو قلقاً من الانتقاص والإهمال — فإن العقل يستجيب تلقائياً بآليات دفاعية. هذه الآليات تظهر إما على شكل سلوك هجومي متمثل في الغضب، كثرة الانتقاد، وفرض السيطرة؛ أو على شكل سلوك انسحابيكالتجنب، التردد، والصمت الحذر. في كلتا الحالتين، المشكلة الحقيقية ليست في الموقف الخارجي، بل في الخوف الداخلي غير المعترف به.
2. فخ السيطرة والانتقاد في بيئة العمل
في الفرق والمشاريع، قد نلاحظ مَيْل البعض للانتقاد المفرط أو محاولة التحكم الدقيق بكل تفصيلة. في الحقيقة، الرغبة المفرطة في السيطرة ليست دليلاً على القوة، بل انعكاس للخوف من فقدان زمام الأمور أو الوقوع في الخطأ. وعندما يغيب الوعي بهذه المشاعر، تتحول الملاحظات المهنية إلى نزاعات شخصية تُضعف الثقة وتؤثر سلباً على مخرجات العمل.
3. الفرق بين الغضب الصحي والغضب المدمر
ليس المطلوب من الإنسان إلغاء مشاعر الغضب تماماً؛ فالغضب طاقة فطرية مهمة إذا وُظفت بوعي.
- الغضب الصحي: هو التعبير الحازم والمباشر عن الانزعاج لحماية قيمة جوهرية (مثل الاحترام، الانضباط، أو الأمانة) دون الإساءة لشخص الآخر أو تدمير العلاقة.
- الغضب المدمر: هو الانفعال العشوائي الذي يتجاوز أصل المشكلة نحو التجريح، النبش في الماضي، وإطالة أمد الخلافات.
4. البحث عن الرغبة الكامنة خلف الخوف
كل خوف يسكن داخلنا يختبئ وراءه احتياج أو رغبة عميقة. فالخوف من الفشل في تسليم مشروع ما، هو في جوهره رغبة قوية في التميز والنجاح؛ والقلق من سوء الفهم يعكس رغبة حقيقية في بناء علاقة عمل متينة. عندما ننقل تركيزنا من “الخوف ومحاربته” إلى “الرغبة وتلبيتها”، تتغير طريقة تعاملنا مع الضغوط ونتجه نحو بناء الحلول بمرونة وهدوء.
💡 إضاءة ختامية:
قوة الشخصية والمهنية العالية لا تكمن في كتمان المشاعر أو فرض السيطرة بالانفعال، بل في الشجاعة لمواجهة المخاوف الذاتية، وتحويل الطاقة الدفاعية إلى تواصل واثق يرسخ الاحترام ويحافظ على تماسك العلاقات.