ثقافة “البلوكشين”: لماذا لا تكفي التقنية وحدها لتغيير وجه الإنشاءات في السعودية؟

تقرير وديع بنجابي عن ورقة الباحثين :

  1. محمد عبد الرحمن (Muhammad Abdul Rehman): من قسم الهندسة المدنية في كلية الجبيل الصناعية بالمملكة العربية السعودية.
  2. ظافر علي القحطاني (Dhafer Ali Alqahtani): من قسم الهندسة المدنية بكلية الهندسة في جامعة الملك خالد بالمملكة العربية السعودية.

كم مرة وقفنا في مواقع مشاريعنا الكبرى، نتأمل الفجوة بين المخططات والواقع؟ نحن جميعاً ندرك حجم الضغوط المالية والتشغيلية التي يمر بها قطاع الإنشاءات السعودي اليوم. فالأرقام لا تجامل؛ حيث تشير الدراسات الأكاديمية الحديثة إلى أن 64% من المشاريع تعاني من تجاوز الجداول الزمنية، بينما تتخطى 53% منها ميزانياتها المحددة.

هذه ليست مجرد إحصائيات عابرة، بل هي نزيف في الموارد يهدد استمرارية المشاريع في ظل تسارع وتيرة العمل لتحقيق رؤية 2030. وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه كل استراتيجي: هل تقنية “البلوكشين” (Blockchain) هي العصا السحرية لحل هذه الأزمات؟ الإجابة المختصرة هي “نعم”، ولكن بشرط واحد غائب عن الكثيرين: التقنية وحدها لا تكفي.

العقود الذكية: إدارة السيولة بدلاً من “التخمين”

تعد “العقود الذكية” بمثابة العمود الفقري للتحول الرقمي؛ فهي اتفاقيات برمجية ذاتية التنفيذ تضمن الشفافية المطلقة. لكن القيمة الحقيقية للمقاول السعودي تكمن في ترميز البنود التعاقدية المعقدة (Encoding of Complex Contractual Clauses).

في مشاريعنا العملاقة التي تتسم بطبقات متعددة من المقاولين من الباطن، تساهم هذه العقود في:

  • تقليل المخاطر مع الأطراف الأخرى: من خلال بناء سجل ثقة لا يمكن التلاعب به.
  • تحسين التدفق النقدي: عبر أتمتة الدفعات فور تحقيق الإنجاز، مما يحول إدارة السيولة من “عملية تخمين” إلى “نظام دقيق”.
  • خفض الأعباء الإدارية: تقليل الوقت الضائع في النزاعات الورقية والبحث عن المسؤوليات.

سلاسل التوريد: مكافحة الغش وتتبع “أصالة” المواد

تتطلب مشاريع السعودية الكبرى، مثل “نيوم” و”البحر الأحمر”، دقة متناهية في جودة المواد. يوفر البلوكشين هنا ميزة تتبع مصدر المواد (Material Provenance Tracking)، مما يضمن أصالة كل شحنة تدخل الموقع.

إن القدرة على التحقق من صحة المواد ليست مجرد مسألة جودة، بل هي خط دفاع ضد الاحتيال وتلاعب الموردين. ومن خلال “الرؤية الآنية” (Real-time visibility) والأتمتة في مطابقة المخزون، يمكننا تقليل المعاملات الورقية وتجنب التأخيرات الناتجة عن نقص المواد أو عدم مطابقتها للمواصفات.

تكامل BIM مع البلوكشين: “توأم رقمي” بذاكرة لا تنسى

عندما ندمج نمذجة معلومات البناء (BIM) مع البلوكشين، فإننا نخلق ما أسميه “طبقة الثقة” فوق البيانات الرقمية. هذا التكامل لا يحمي البيانات فحسب، بل يضمن دقة توثيق المخططات المنفذة (Accuracy of As-Built Documentation).

بالنسبة للملاك والمطورين، هذه الميزة تعني قيمة هائلة على مدى 50 عاماً من عمر المبنى؛ فكل تغيير في التصميم أو عملية صيانة موثقة بسجل تاريخي غير قابل للتعديل. هذا يبني جسراً من المسؤولية والمحاسبة بين المصمم والمقاول، ويقضي تماماً على ظاهرة ضياع المسؤوليات.

الشفافية والامتثال: تحويل “الأنظمة” إلى ميزة تنافسية

في بيئة تنظيمية سعودية تتطور بسرعة البرق، لم يعد “الامتثال” مجرد قائمة مهام، بل ميزة تنافسية. تساهم تقنية البلوكشين في أتمتة التحقق من معايير السعودة، والمحتوى المحلي، والاشتراطات البيئية.

المقاول “الممتثل استباقياً” هو من سيقود السوق مستقبلاً. فبدلاً من الاستجابة لطلبات التدقيق بشكل دفاعي، يوفر البلوكشين سجلاً شفافاً يسهل عملية استخراج التصاريح وتقديم تقارير الامتثال للجهات الرقابية، مما يعزز ثقة المستثمرين وأصحاب المصلحة.

المفاجأة الكبرى: الثقافة المؤسسية هي “المحرّك” الفعلي

هنا تكمن النقطة الجوهرية التي غابت عن الكثير من المبادرات التقنية: التقنية تمثل جزءاً من الحل، لكن الثقافة المؤسسية هي التي تضاعف تأثيرها. أظهرت الأبحاث القائمة على نموذج (TOE) أن هذا النموذج يفسر 71.1% من تباين اعتماد التقنية، وأن الثقافة القوية تزيد من نجاح كل العوامل السابقة.

لذا، قبل أن تستثمر في “الكود”، استثمر في “العقول”. الثقافة المطلوبة للنجاح في عصر البلوكشين تتطلب أبعاداً محددة بناءً على دراسة الواقع السعودي:

  1. ثقافة التجربة التقنية: تشجيع الفرق على تجربة الأدوات الرقمية دون خوف من الخطأ.
  2. نظام مكافأة الابتكار: لا يكفي أن تطلب من موظفيك التغيير؛ بل يجب وجود نظام يحفز ويقدر من يبادر بالتحول الرقمي.
  3. صنع قرار مرن وقابل للتكيف: الابتعاد عن المركزية العقيمة وتبني أساليب الإدارة الرشيقة (Agile).
  4. التعاون العابر للأقسام: البلوكشين تقنية قائمة على التشارك؛ فإذا كانت الإدارات داخل شركتكم تعمل كـ “جزر منعزلة”، فلن تنجح التقنية أبداً.

الخاتمة: هل شركتكم مستعدة ذهنياً قبل أن تكون مستعدة تقنياً؟

خلاصة القول، إن البلوكشين ليس مجرد برمجيات نشتريها من الرف، بل هو التزام مؤسسي بالشفافية والتعاون. في سباقنا نحو تحقيق مستهدفات رؤية 2030، يظل الاستثمار في “العقول والثقافة المؤسسية” هو الضمان الوحيد لتحويل الاستثمارات التقنية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع.

ويبقى السؤال النهائي لكل قائد في هذا القطاع: في سباق التحول الرقمي، هل تبني شركتك أنظمة تقنية فحسب، أم تبني ثقافة قادرة على تشغيل هذه الأنظمة والارتقاء بها؟

شاهد أيضاً

📊 المصرفية المفتوحة مفهوم مبسط: من الاحتكار إلى الشراكة

وديع بنجابي للتدريب و التمهين في النظام التقليدي، يحتفظ البنك ببيانات معاملاتك (رواتبك، مشترياتك، وفواتيرك) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *