بقلم أ.د. محمد بن حسين المرشدي
أستاذ إدارة وصون بيئة الأراضي والمياه
معالي أمين محافظة جدة، تحية طيبة وبعد،
بناءً على التوقعات الأولية للفترة الفصلية الصادرة عن المركز الوطني للأرصاد، والذي وضعنا في قلب المشهد وأحاطنا بحالة أجوائنا المرتقبة، نقف اليوم على أعتاب شهر أكتوبر وما يحمله من تقلبات مناخية وفرص لهطول أمطار تتسم عادةً بالغزارة والمفاجأة. هذه التوقعات تضع مدينتنا العريقة أمام اختبار حقيقي، وتوجه أنظارنا جميعاً نحو الأرض قبل السماء.
“عجوز البحر الأحمر” – كما فرضت عليها تراكمات السنين وتحديات التخطيط الحضري أن تبدو – تنتظر اليوم اللحظة التي تستعيد فيها ماضي شبابها ورونقها. والرهان الأكبر هنا معقود على مشاريع البنية التحتية لتصريف الأمطار والسيول التي تشرفون عليها، والتي نأمل أن تكون إكسير الحياة الذي يغسل شوارعها ويبعث فيها التجدد، لا أن تكون عبئاً إضافياً.
معالي الأمين، إن الحدث المناخي المرتقب ليس مجرد ظاهرة طبيعية اعتيادية، بل هو مدقق فني صارم ومحك اختبار حقيقي لعدة مسارات:
• كفاءة التصاميم الهندسية: مدى استيعابها للبيانات الهيدرولوجية الدقيقة وتغيرات المناخ التي يشهدها حوض جدة الجغرافي.
• جودة تنفيذ المقاولين: التزامهم الصارم بالمواصفات الفنية والميول الأرضية لضمان الانسيابية الكاملة للمياه.
• الاستعداد الاستباقي: نجاح خطط الإدارة البيئية والهندسية في تحييد الأخطار قبل وقوعها.
غير أن الهاجس الأكبر، والذي يتطلب تدخلاً حازماً ومتابعة دقيقة من جهاز الأمانة، يتمثل في المواقع والمشاريع التي لم تُنجز أعمالها بعد. إن التأخر في ردم وتسوية مسارات الحفر قد يحول هذه المشاريع الاستراتيجية – لا سمح الله – إلى مصائد مائية. حفريات المشروع غير المكتملة والمناهل المفتوحة تنذر بالتحول إلى خنادق تتجمع فيها المياه، مما يخلق بؤراً تهدد السلامة العامة، وتعوق الحركة المرورية، وتنسف الهدف الأساسي المتمثل في حماية المدينة وتطويرها.
إن نجاح الإدارة الحضرية الحديثة يكمن في ترويض التحديات البيئية بأسلوب هندسي وعملي. والطبيعة، كما نعلم جميعاً، لا تقبل الأعذار التعاقدية ولا تعترف بجداول التأخير الزمني للمقاولين.
نتطلع بثقة لجهودكم الرقابية والتنفيذية في قيادة هذه المرحلة المفصلية، وتفعيل الآليات الاستباقية لإلزام المقاولين بتأمين مواقع الحفريات، لضمان أن تنساب المياه بهدوء نحو البحر، ولتخرج جدة من هذا الموسم ساطعة ومتجددة.