في زمن أصبح فيه الوصول أسهل من العمق، والشهرة أثمن من العلم، تبرز ظاهرة “الجهل المُرفّه” كتحذير صارخ يطلق ناقوس خطر على مستقبل المجتمعات. إنها حالة من التفاهة التي تكتسب شرعية وقبولًا في الفضاء العام. لم يعد سلوك الأرعن يُرفض، بل يصبح نموذجًا يُقلَّد. ولم يعد الحضور السطحي مُهمَّشًا، بل يُنتظر ويُحتفى به. وفي هذه البيئة، تُصبح الثقافة البائسة رائجة، لأنها لا تتطلب جهدًا فكريًا ولا عمقًا أخلاقيًا، بل مجرد استهلاك سريع ومشاعر عابرة.
لكن الثمن الحقيقي لهذه الثقافة لا يقتصر على مجرد تراجع الذوق العام، بل يتجاوزه إلى ما هو أعمق وأخطر. إن أولى ضحايا هذه الموجة هي القيم نفسها. عندما يرى الشباب أن الجاهل يحظى بالشهرة والاحترام، بينما يُهمَّش المثقف والمبدع، تتزعزع لديهم قناعاتهم حول أهمية الأخلاق والعمل الجاد. يصبح الصدق والمسؤولية والعمق مجرد مفاهيم قديمة لا تناسب العصر.
هذا التآكل لا يتوقف عند القيم فحسب، بل يمتد ليضرب أسس المجتمع. إن الأسرة التي هي الحصن الأول للقيم، تجد نفسها في صراع مستمر مع نماذج تُفرض عليها من الخارج. والمجتمع الذي يفقد قدواته الحقيقية، يُصبح هشًا وضعيفًا، ويُفرغ من محتواه الأخلاقي. أما المعتقد، وهو المرجع الأسمى للقيم، فيُصبح مجرد طقوس لا روح فيها، عندما تتعارض مبادئه الجوهرية مع السلوكيات السائدة.
وفي هذا السياق، يضع الدكتور محمد بن ردة العمري الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى يده على الجرح بقوله:
“في #الجهل_المُرَفّه القدوة هم الرؤوس الجهال، الذين قدمهم الجهل ذاته، فأصبح سلوكهم الأرعن مقبولا، وحضورهم التافه منتظرا، وثقافتهم البائسة رائجة، وجمهورهم الأجوف أكثر. إن أولى ضحايا هؤلاء هي القيم، ثم أصحابها، ثم روافدها، ثم منابعها الأصيلة في حرزها: المجتمع، الأسرة، المعتقد.”
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب منا جميعًا التكاتف والوعي، والعمل على تعزيز القيم الأصيلة. وفي هذا الإطار، لا يفوتنا أن نتوجه بخالص الشكر والعرفان لولاة أمرنا، الذين يضعون نصب أعينهم دومًا مصلحة المجتمع، ويبذلون قصارى جهدهم لتعزيز القيم الأخلاقية والوطنية، في سعي دائم لنهضة مجتمعنا ورفعة هذا الوطن المعطاء.