اقترب من الله يقترب منك كل جميل

لنتأمل في طبيعة هذه الحياة؛ إنها مسرح كبير للرحيل والزوال. من حولنا، كل شيء يحمل في طياته بذرة الفراق: المال يتبدد، الصحة تتغير، الأحبة يرحلون، والفرص تمضي دون عودة. هذا هو قانون الدنيا: إما أن تتركها أنت باختيارك أو بمغادرة جسدك لها، أو أنها هي من تتركك رغماً عنك.

هذا المبدأ يشمل كل علاقة، وكل مقتنى، وكل شعور مؤقت. إنها حقيقة مؤلمة لكنها أساسية لفهم قيمة ما لا يزول.

ولكن في خضم هذا المشهد المتحرك والزائل، تبرز حقيقة واحدة ثابتة، وملاذ واحد لا يعرف الانفصال أو الخذلان: الله سبحانه وتعالى.

يقول أصحاب الفكر والروحانية: “كل شيء في هذه الدنيا إما أن يتركك أو تتركه، إلا الله، إن أقبلت إليه أغناك، وإن تركته ناداك”. هذه الكلمات ليست مجرد شعر، بل هي وصف دقيق للعلاقة الإلهية الفريدة التي تكسر كل قوانين الماديات.

1. إن أقبلت إليه… أغناك

في العلاقات البشرية أو المادية، كلما اقتربت أكثر، كلما زادت احتمالية التعلق ومن ثم الألم عند الفراق. على النقيض تماماً، العلاقة مع الله هي العلاقة الوحيدة التي تضمن لك الغنى بمجرد التقرب. وهذا الغنى ليس بالضرورة غنى المال، بل هو غنى النفس واليقين.

عندما تقبل على الله بالطاعة والدعاء والتوبة، فإنه يغنيك:

  • بالأمن الداخلي: يزيل عنك قلق المستقبل وخوف الفقد.
  • بالقناعة والرضا: يجعلك ترى النعم الموجودة لا المفقودة.
  • بالتوفيق والبركة: يفتح لك أبواباً لم تكن لتفتحها بذكائك أو جهدك وحدك.

إنه غنى لا يمكن أن يسلبه منك مرض أو ضياع فرصة، لأنه مستقر في قلبك وروحك.

2. وإن تركته… ناداك

وهنا تكمن أعمق جوانب الرحمة. الإنسان ضعيف، وقد يغفل أو يبتعد أو ينشغل ببريق الدنيا الزائل. في كل علاقة دنيوية، الابتعاد يعني النسيان أو القطيعة. لكن العلاقة مع الخالق مختلفة جذرياً.

إذا تركته أنت بذنوبك وغفلتك، فإنه يناديك. هذا النداء لا يكون بصوت مسموع، بل يكون من خلال:

  • تسهيل التوبة: يفتح لك باب الندم ويسهل عليك العودة.
  • ابتلاءات الرحمة: يرسل لك إنذارات خفيفة (مشاكل بسيطة، ضيق في الرزق) تذكرك بأن هناك ملاذاً وحيداً لم تعد إليه.
  • الوحي الداخلي (الفطرة): شعور الضيق والضياع الذي تشعر به عند البعد هو في الحقيقة نداء إلهي يخبرك: “مكانك ليس هنا، عُد إلى مصدر السلام”.

دعوة للثبات

في رحلة الحياة المتقلبة، حيث كل ما نملكه على موعد مع الانتهاء، يصبح من الحكمة أن نبحث عن الثابت. العلاقة مع الله هي خط الأمان الوحيد في بحر متلاطم الأمواج. إنها العلاقة التي لا تستنزفك، بل تمدك؛ لا تهددك بالفراق، بل تعدك بالبقاء الأبدي.

فلنجعل من إدراكنا لهذا القانون (قانون زوال كل شيء إلا الله) دافعاً لنا للاقتراب ممن يقترب منا مهما ابتعدنا، وممن يغنينا مهما كنا فقراء.

صورة الملف الشخصي

شاهد أيضاً

جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ تنظم (المسابقة القرآنية الرمضانية)

منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي :المدينة المنورة:- ‏تنظم ⁧‫جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ (المسابقة القرآنية الرمضانية) …