“وتظنُّ من فرطِ لُطفهِ بك أنكَ عبدهُ الوحيد.”
تلك العبارةُ الموجزةُ والعميقةُ تحملُ في طياتها سرَّ العلاقةِ بينَ العبدِ وربه، وتصفُ ذروةَ الشعورِ بالسكينةِ والامتنان. إنها ليستْ مجردَ وصفٍ لِعنايةٍ فائقة، بل هي حالةٌ روحيةٌ تتجاوزُ حدودَ المنطقِ والإدراكِ البشريّ؛ حيثُ يغدو الإنسانُ وكأنه محورُ تلك العنايةِ، المعنيُّ الأولُ والأخيرُ باللُّطفِ الأزليّ.
يأتي “اللُّطفُ” هنا ليسَ بمعنى النعومةِ فحسب، بل بمعنى الرعايةِ الخفيةِ والمدبَّرة، التي تتسللُ إلى تفاصيلِ حياتِنا دونما شعور، فتسدُّ فجوةً، وتجبرُ كسرًا، وتزيحُ همًّا. هذا اللُّطفُ، عندما يفيضُ ويغمُرُ الروح، يُنشئُ في قلبِ العبدِ شعورًا بالانفرادِ المطلق.
كيفَ يتكونُ هذا الشعور؟ إنه نتاجُ تراكمِ المواقف:
- موقفٌ كنتَ فيه على حافةِ الهاويةِ فنجوتَ بمعجزةٍ.
- دعوةٌ أطلقتَها في جوفِ الليلِ فجاءَ الردُّ سريعًا ومُدهشًا.
- أزمةٌ ظننتَ أنها النهايةُ، فإذا بالفرجِ يأتي من حيثُ لا تحتسب، مُفصَّلاً على مقاسِ حاجتك تمامًا.
في كلِّ مرةٍ، تشعرُ أنَّ هذه الرعايةَ لم تُصمَّمْ إلا لأجلك، وأنَّ هذا اللطفَ قد خُصِّصَ لكَ دونَ سائرِ العباد، بالرغم من علمِك التامِ بأنَّ لهُ سبحانَهُ ملايينَ الخلائقِ، لكلٍ منهم رزقُه ولطفُه وعنايتُه.
إنَّ الشعورَ بأنكَ “عبدهُ الوحيد” هو تعبيرٌ عن قمةِ الحبِ والتقرُّب، وليسَ تعبيرًا عن التكبُّرِ أو الغرور. إنه اعترافٌ بالفضلِ وحمدٌ يخرجُ من قلبٍ مُتيَّم.
عندما يشعرُ الإنسانُ بهذا الانفرادِ في اللُّطف، يتحولُ مفهومُ “العبودية” لديه:
- من عبوديةِ الإلزامِ إلى عبوديةِ الاختيار: لم يعدْ يطيعُ خوفًا من العقابِ بقدرِ ما يطيعُ شكرًا على اللُّطفِ.
- من عبوديةِ القائمةِ إلى عبوديةِ التفاصيل: لا يقتصرُ طاعتُه على الفرائضِ فحسب، بل يمتدُّ إلى كلِّ حركةٍ وسكون، يُحاولُ فيها إرضاءَ مَن خَصَّهُ بهذا اللُّطفِ.
هذا الشعورُ العميقُ يفتحُ بابًا للتفاني في العبادة، ويمنحُ الحياةَ معنىً أعمق، إذ يغدو كلُّ حدثٍ في الحياةِ دليلًا على هذه العنايةِ الخاصة.
قد يمرُّ المرءُ بلحظاتِ يأسٍ ووحدة، يشعرُ فيها بالضياعِ وسطَ زحامِ الكون. ولكنْ، العبارةُ تحملُ رسالةَ أملٍ عظيمة: مهما بدا الكونُ واسعًا وكبيرًا، ومهما شعرتَ أنكَ نقطةٌ صغيرةٌ فيه، فإنَّ اللُّطفَ الإلهيَّ يحيطُ بكَ كدائرةٍ مغلقة، يجعلكَ تشعرُ أنكَ مركزُ اهتمامهِ ورعايته.
إنَّ إدراكَ هذه الحقيقةِ يمنحُ العبدَ قوةً لا تُقهر، ويُغذّي في نفسِهِ الرضا والتسليم، فكيفَ يخافُ أو يحزنُ مَن يظنُّ من فرطِ اللُّطفِ أنهُ “عبدهُ الوحيد”؟
ختامًا: ليستْ هذه العبارةُ دعوةً لتجاهلِ وجودِ الآخرين، بل هي دعوةٌ للاستغراقِ في الشعورِ الشخصيِّ بالعنايةِ. إنها فلسفةُ تقرُّبٍ تقولُ: “إني أحبُّكَ حبًا يجعلني أرى أنَّ كلَّ هذا الوجودِ قد سُخِّرَ لي وحدي بفضلِك، فشكرًا لك يا ربّ.”