إنَّ المتأمّل في نصوص الشريعة وسِيَر الصالحين، يجد مكانة عظيمة للصداقة والأخوة في الله، لا تقتصر منافعها على زاد الدنيا فحسب، بل تمتد لتكون رصيدًا عظيمًا في الآخرة، ولعلّ أعظم ما ننتفع به من صحبة الأخيار هو الشفاعة يوم القيامة، تلك الأمنية التي يتمناها كلّ مُسلم.
لقد أدرك سلفنا الصالح هذه المنزلة الرفيعة للصديق المؤمن، وعبّروا عنها بأجمل العبارات التي تبعث في النفس الأمل، وتُحفّز على انتقاء الأصحاب الصالحين، حيث قال الحسن البصري -رحمه الله-: “استكثروا من الأصدقاء المؤمنين فإن لهم شفاعة يوم القيامة“. هذه الوصية النورانية تجعلنا نُراجع قائمة الأصدقاء، فهل هم ممن يُذكّروننا بالله ويُعينوننا على طاعته؟ ذلك هو الصديق الوفي حقًا، الذي قيل فيه: “هو من يمشي بك إلى الجنة…!!“.
ويأتي القول المؤثر لـ ابن الجوزي -رحمه الله-: “إن لم تجدوني في الجنة بينكم فاسألوا عني فقولوا: يا ربنا عبدك فلان كان يذكرنا بك!!” ثم بكى رحمه الله رحمة واسعة. كم يحمل هذا القول من معانٍ عميقة للأخوة الصادقة والترابط الإيماني! هو دعوة للمحبة الخالصة التي أساسها التذكير بالله والتعاون على البر والتقوى، والتي لا ينقطع عهدها حتى بعد الموت.
إنّ الصداقة في الله كنز لا يفنى، وهي سبب من أسباب نيل شفاعة يوم القيامة. ففي الحديث الشريف، يتبين لنا كيف يتذكر الأخ أخاه ويسعى لنجاته، عندما “يقولونَ: ربَّنا! كانوا يصومونَ معنا، ويصلونَ، ويحجُّونَ…” ، فتدلّ هذه المواقف على رحمة إلهية تتجلى في شفاعة الأهل والأصدقاء الصالحين.
إنّ الوعي بقيمة الصديق الصالح ليس مجرد معلومة، بل هو دافع للعمل، فـ “هنيئًا لمن قرأ ووعى وفهم وبادر إلى العمل..!” لذا بادر إلى تقوية صلتك بأصدقائك المؤمنين، وبادر إلى التذكير بالله، فذلك زادكم في الدنيا والآخرة، وبادر إلى الإحسان إليهم والدعاء لهم.
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهل النعيم.. وأن يجمعنا تحت ظل عرشه وفي جناته، برفقة من أحبونا فيك و أحببناهم فيك.