حقوق الشجرة

بقلم المحامي وديع بنجابي

في العمل القانوني، كثير من الإشكالات تبدأ من سؤال بسيط: من يملك حق إزالة شجرة؟
ولأنّ الأشجار جزء من البيئة، فإن الإجابة لا تختزل في الملكية وحدها، بل في النظام الذي ينظم حمايتها.

الأصل في النظام السعودي أنّ الشجرة محمية، وأنّ اقتلاعها أو قطعها لا يجوز إلا وفق إجراءات واضحة. هذه ليست فكرة إنشائية، بل قاعدة مقررة في نظام البيئة ولوائحه التنفيذية.

تفاعلًا مع ما طرحه المستشار البيئي فالح المحمدي حول قيام بلدية جنوب حفرالباطن بإزالة شتلات غرسها أهالي حي الفيصلية، فإن المسألة لا تتعلق بمشهد مؤسف فحسب، بل بسؤال نظامي جوهري: هل تمت الإجراءات وفق ما يفرضه القانون؟

في النظام السعودي، الشجرة ليست عنصرًا تجميليًا يمكن التخلص منه بقرار سريع.
هي جزء من الغطاء النباتي الذي يحميه القانون بنصوص صريحة، من أهمها ما ورد في المادة 19 من نظام البيئة التي تحظر قطع الأشجار أو اقتلاعها أو نقلها أو الاتجار بها من غير ترخيص من الجهة المختصة.

وبناءً على ذلك، فالمعيار الأول الذي يجب التحقق منه هو:
هل صدر ترخيص من المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي؟
فالبلدية – مهما كانت دوافعها – لا تملك أن تتجاوز اختصاص المركز ولا أن تتجاهل الإجراءات البيئية الواجبة.

حتى في حال وجود “تعدٍّ على الأرض”، كما يُشاع، فالتجاوز لا يُعالج بتجاوز آخر. الإجراءات الرسمية واضحة:
إشعار الأهالي، تقييم الأثر، ثم نقل الشتلات إلى موقع بديل إن استوجب الأمر ذلك.
أما الاقتلاع المباشر فهو مخالفة نظامية قبل أن يكون سلوكًا مرفوضًا بيئيًا.

القانون لم يترك هذا الأمر تقديريًا.
نصوص نظام البيئة ولوائحه تقرر عقوبات مالية على من يزيل شجرة بلا تصريح. وتُحمّل الجهة المخالِفة مسؤولية إصلاح الضرر وربما إعادة التأهيل النباتي.
هذه النصوص ليست للزينة؛ وُضعت لضمان أن لا تتحول القرارات الإدارية إلى أسباب لإفقار البيئة.

ما أشار إليه المستشار المحمدي صحيح في جوهره:
هذه الشتلات ليست لعب أطفال، بل جهد مجتمعي نبت من رغبة الأهالي في تحسين حيهم. احترام هذا الجهد ليس قضية إنشائية؛ بل هو جزء من الواجب النظامي المتعلق بمبدأ حماية الغطاء النباتي.

يبقى السؤال:
هل اتُّبعت الإجراءات التي يفرضها القانون؟
إن لم يحصل ذلك، فالمسؤولية قائمة، والمراجعة واجبة، حتى لا تتكرر مثل هذه المخالفات تحت أي مبرر.

أولًا: القاعدة النظامية

“لا يجوز قطع أو اقتلاع أو نقل الأشجار أو الشجيرات أو النباتات إلا بترخيص من الجهة المختصة.”
هذا ما تقرره المادة 19 من نظام البيئة.
وهذه المادة هي حجر الأساس الذي ينطلق منه كل نقاش قانوني حول إزالة الأشجار، سواء كانت في أرض عامة أو خاصة.

المشرّع هنا يعامل الشجرة بوصفها جزءًا من الثروة النباتية، أي أنها ليست ملكًا صرفًا للفرد وإن كانت في أرضه، بل تحمل قيمة بيئية تمس الصالح العام. وهذه النظرة هي التي تفسر لماذا يُشترط الترخيص حتى في الحيازات الخاصة.

ثانيًا: من الجهة المختصة؟

الجهة المركزية التي تملك إصدار الترخيص هي المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، وفق اللائحة التنفيذية الخاصة بالغطاء النباتي.
وجود تصريح من البلدية وحدها لا يكفي، لأن دور البلديات إداري وتنظيمي داخل المدن، بينما قرار الإزالة نفسه مرتبط بتقدير بيئي فني لا يُتخذ إلا عبر المركز.

ثالثًا: لماذا هذا التشدد؟

لأنّ الضرر البيئي—مهما بدا بسيطًا—ينعكس على الجميع.
ولهذا فرضت اللوائح عقوبات مالية على من يقتلع شجرة دون ترخيص، قد تصل إلى 20 ألف ريال لكل شجرة، وفي المخالفات الكبيرة تُطبّق عقوبات أشد وفق اللوائح المرتبطة بالاحتطاب.

كما تُلزم الأنظمة المخالف بإصلاح الضرر، وقد يُطلب منه إعادة تأهيل الموقع أو زراعة بدائل.

رابعًا: ماذا يعني هذا للمواطن والجهات؟

يعني ببساطة أن اقتلاع شجرة ليس قرارًا فوريًا ولا فرديًا، بل قرار نظامي يحتاج إلى تصريح، وتقدير للأثر، وسبب واضح.
وأن للمتضرر الحق في الاعتراض إذا رأى إزالة غير مبرّرة أو لم يُستوفَ إجراء الترخيص.

الخلاصة

الأصل في النظام هو حماية الشجرة، والاستثناء هو الإزالة المشروطة.
ومن دون تصريح من الجهة المختصة، يُعد اقتلاع الأشجار مخالفة نظامية تُرتّب مسؤولية وعقوبات.
بهذا الإطار الواضح يحاول القانون تحقيق توازن بين التطوير العمراني من جهة، وحماية البيئة من جهة أخرى.

شاهد أيضاً

فالح المحمدي: مهندس الوعي البيئي وصوت الاستدامة في “محبي مكة”

في وقت تشهد فيه المملكة العربية السعودية تحولاً تاريخياً نحو النماء الأخضر، يبرز اسم المستشار فالح …