يُحكى أنَّه في قديم الزمان الرقمي، كانت هناك “مدينة الأصداء”، حيث يجتمع الشعراء، والنسّاجون، والحكماء. كان الجميع يبدع، فتمتلئ الساحات بجمال صنيعهم، لكن المدينة كانت محكومة بأسوارٍ خفية. في تلك الأسوار، كانت تقف “خزائن الظل”، تأخذ الثمار من الزارع وتعطيه الفتات، وتنسب القصيدة لغير قائلها، وتجعل أثر المبدع يذوب كما يذوب الملح في الماء.
وكان هناك رجلٌ، بصيرٌ بأحوال الصناع، قضى شطر عمره في حوانيتهم، يراقب كيف يسكب الخزّاف روحه في الطين، ثم يرى الطين يُباع في الأسواق والاسمُ منسيّ، والجهدُ مهدور. لم يكن هذا الرجل مجرد عابر سبيل، بل كان “معماراً للقيم”.
ذات ليلة، اعتزل الصخب، ولم يسأل عن كيفية بناء السور، بل سأل عن “جوهر الحق”. جلس بينه وبين نفسه، وطرح ثلاث أسئلة كأنها أركان بيتٍ عتيق:
- مَن أوقد الشعلة؟ (أصل الإبداع)
- مَن حرس الضياء؟ (أمانة الحفظ)
- ومَن نال الدفء؟ (عدالة المنفعة)
أدرك المعمار أنَّ العيب ليس في براعة الصنّاع، بل في “الديوان” الذي تُكتب فيه الحقوق. كان ديواناً من ورقٍ يبليه الزمن، تملكه يدٌ واحدة، وتغير فيه ما تشاء.
حينها، قرر أن يبني “ديوان محبي مكة “؛ ديواناً لا تحرقه نار ولا يمحوه ماء. لم يستخدم حبراً عادياً، بل استخدم “مداد الضوء” (الذي يسميه أهل هذا الزمان: البلوكتشين). جعل لكل حرفٍ فيه قفلاً لا يفتحه إلا صاحبه، وجعل لكل مساهمة “خاتماً ذكياً” لا يحتاج لقاضي لكي ينصفه، بل هو ينصف نفسه بنفسه.
لم يبدأ ببناء الجدران، بل بدأ بتصميم “الموازين”. صمم أنظمةً تعترف بـ “عرق المعرفة” و”خيال المبدع”، وجعل المساهمة في المجتمع عملةً لا تنقص قيمتها، بل تزيد كلما تناقلتها الأيدي.
يقولون إنَّ هذا المعمار لا يزال قائماً على ثغور تلك المدينة الجديدة، لا يضع حجراً على حجر إلا إذا تأكد أنَّ الحجر يعرف اسم بانيه، وأنَّ الثمرة ستعود يوماً إلى غارسها. لم يعد الناس هناك يسألون: “أين ضاع حقي؟”، لأنَّ الحق في ديوان هذا المعمار صار قدراً مكتوباً، وسراً محفوظاً في قلب النظام، لا يملكه أحد.. لكنه ينتمي للجميع.