المرأة مدرسة أولى للعبقرية

“ظلال العظمة.. كيف صنعت التربيةُ أئمةَ الأمة؟”

لم تكن شمسُ الحضارة الإسلامية لتشرق بضياء هؤلاء الأئمة الأعلام، لولا تلك القناديل الخفية التي احترقت بصبرٍ في بيوتٍ أقامها العفافُ وشيّدها العلم. إن وراء كل “بخاريٍ” أذهل الدنيا بحفظه، و”شافعيٍ” ملأ الأرض بفقهه، و”أحمدٍ” صان بصبره عقيدة الأمة، امرأةً آمنت بأن الأمومة ليست مجرد بيولوجيا، بل هي “صناعة ثقيلة” للعقول والنفوس. لقد أثبت التاريخ أن أعظم المصنفات العلمية لم تُكتب في دور الكتب فحسب، بل بدأت فصولها الأولى في حِجرِ أمٍّ يتيمة الصبر، أو أختٍ وهبت عمرها لتنشئة أخيها؛ ليكون هؤلاء العظماء ثماراً ناضجة في شجرةٍ جذورها نساءٌ صالحات، ومن هذا الإرث العظيم ندرك أن صلاح البيت هو الحجر الأساس الذي يُبنى عليه مجدُ الأوطان، وهو المبدأ الذي تسير عليه نهضتنا اليوم.

وحين نُبحر في سير هؤلاء العباقرة، نكتشف أن اليتم أو ضيق ذات اليد لم يكن عائقاً، بل كان دافعاً لهذه القامات النسائية لصناعة المستحيل؛ فهذا الإمام الشافعي الذي رحلت به أمه من غزة إلى مكة وهو طفل يغالب اليتم، فكانت هي عينه التي يرى بها المستقبل، دفعته لطلب العلم حتى ملأ طباق الأرض فقهاً. وبجوارها تقف تلك الأم العظيمة للإمام أحمد بن حنبل، التي كانت تجهز له ماء الوضوء في غسق الليل، وترافقه إلى مساجد بغداد في الشتاء القارس، صانعةً بصلابتها “إمام أهل السنة”. ولا ننسى أم الإمام البخاري التي كفّ بصر ابنها صغيراً، فلم تيأس ولم تفتُر عن الدعاء حتى رد الله بصره، ثم وهبت حياتها لخدمة رحلته في جمع الحديث النبوي حتى صار أميراً للمؤمنين في فنه.

ومن اللفتات البليغة في تاريخنا أن يُنسب عالمٌ جليل مثل “ابن تيمية” إلى جَدته أو أمه “تيمية” التي كانت واعظة ومربية، وكذلك الحال مع الحافظ بن حجر الذي كانت أخته “ست الركب” هي من تعهدته بالرعاية والعلم، مما يؤكد أن المرأة كانت دوماً منبعاً للعلم لا مجرد وعاء له. إن هذه النماذج تؤكد أن البيت هو المحضن الأول للتميز، وفي يومنا هذا، نرى أثر هذا الوعي يتجسد في الدعم اللامحدود الذي تحظى به المرأة والأسرة السعودية تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، إيماناً بأن المرأة هي الركن الركين في رؤية الوطن ومستقبله.

إن استحضار سِيَر هؤلاء النساء هو استحضار لمفهوم “التربية بالرسالة”، حيث يتحول البيت إلى منارة علم، وتصبح الأم هي المعلمة الأولى التي تخرج للأمة قادةً وعظماء. فسلامٌ على كل أمٍ وأختٍ تزرع في نفوس أبنائها حب العلم والقيم، لتجني الأمةُ من غراسها عظمةً ومجداً، ففي صلاح الأم والبيت.. صلاح الأمة بأسرها.

شاهد أيضاً

جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ تنظم (المسابقة القرآنية الرمضانية)

منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي :المدينة المنورة:- ‏تنظم ⁧‫جمعية تعزيزالقيم الاجتماعية‬⁩بالمدينة المنورة‬⁩ (المسابقة القرآنية الرمضانية) …