
بقلم الكاتبة والإعلامية/ وجدان الزهراني
في الشَّهْرِ الثَّاني مِن كُلِّ سَنَةٍ ميلاديَّةٍ.. وتَحديدًا بتاريخِ 13 فبراير؛ تَمَّ تخصيصُ هذا اليومِ مِن قِبَلِ مُنظَّمةِ اليونسكو للاحتفاءِ بالذِّكرى السَّنويَّةِ لولادةِ أوَّلِ بَثٍّ إذاعيٍّ عالميٍّ أُطلِقَ بعدَ الحَربِ العالميَّةِ الثَّانية؛ ويَتِمُّ في هذا اليومِ إبرازُ دَورِ الإذاعةِ وأهميَّتِهِ في التوعيةِ بشَتَّى مجالاتِها.. وتعزيزِ الثَّقافاتِ بين الأقاليمِ والشُّعوبِ عبرَ البَثِّ الإذاعيِّ الذي يَعبُرُ القارَّاتِ ويَربِطُ بين القلوبِ.
وعلى المُستوى الوطنيِّ، في مثلِ هذا التَّاريخِ 13 فبراير عام 2022، أُطلِقَتْ أوَّلُ مَحطَّةٍ إذاعيَّةٍ إخباريَّةٍ مُتخصِّصةٍ مِن قِبَلِ هيئةِ الإذاعةِ والتِّلفزيونِ السُّعوديِّ لتواكِبَ تطوُّراتِ الإعلامِ الحديثِ؛ فالإذاعةُ ليست مُجرَّدَ شيءٍ يُذاعُ للإخبارِ، بل هي أيضًا للتَّرفيهِ والتَّسليةِ والمُتعةِ والفائدةِ..
فأحيانًا قد تكونُ شيئًا مُرتبطًا بقلوبِنا منذُ الصِّغرِ.. كسِماعِ القِصصِ.. فكبرنا وصِرنا نهوى الاستماعَ إليها.
فالإذاعة ليست مُجرَّدَ أداةٍ لنقلِ الأخبارِ.. بل تنقلُ حتَّى المشاعرَ والأحاسيسَ الدَّافئةَ والمُختلَجاتِ التي بنفوسِ مَن يُذيعونَها.. فهي ليست كالتِّلفازِ.. شيءٌ نراهُ بأعينِنا فنستقبِلُه فقط.. بل على النَّقيضِ الإذاعةُ نستمعُ إليها بآذانِنا، وتُحفِّزُ لدينا الخيالَ بالتَّفكيرِ وتخيُّلِ الأحداثِ واللَّحظاتِ والأشخاصِ.. وبناءِ عوالمَ أُخرى خياليَّةٍ إبداعيَّةٍ داخلَ عقولِنا.
وببناءِ هذه الصُّوَرِ الخياليَّةِ المُنمَقةِ بداخلِ عقولِنا، جعلَنا نُحبُّ أن نستمعَ إليها.. وأيضًا البعضُ أصبحَ يُفضِّلُ سَماعَ الكُتُبِ الصَّوتيَّةِ المُذاعةِ بدلًا مِن قراءتِها.. فيُدرِّبُ عقلَه على الاستماعِ بدلَ القراءةِ، وتسييرِ الأحداثِ عبرَ سماعِها..
فذلك يجعلُ له القدرةَ على سرعةِ البديهةِ والتَّصوُّرِ لغايةِ أيِّ كلامٍ يُقالُ به، واستِضاءةِ الفكرِ.. ويجعلُ العقلَ مرنًا ومُبرمَجًا لفهمِ وتخيُّلِ أيِّ كلامٍ يُقالُ.. ويُصبحُ سريعَ الرَّدِّ والمُجابهةِ الحكيمةِ.
فالإنصاتُ يجعلُكَ تستطيعُ قيادةَ عقلِكَ بإحترافيَّةٍ في كلِّ وقتٍ وزمانٍ.. وتحتَ أيِّ ظرفٍ كان.. وأكادُ أجزمُ أنَّ أغلبَ الكُتَّابِ للقصصِ والرِّواياتِ الخياليَّةِ.. التي جميعُها ضربٌ من خيالٍ.. نشعرُ عندَ قراءتِها وكأنَّنا نستمعُ لنسقٍ منظَّمٍ وتفاصيلَ دقيقةٍ لا تظنُّ أنَّ شخصًا ينتبهُ إليها.. لكن هؤلاءِ الكُتَّابَ المَهرة تنمَّت لديهم قدرةُ التخيُّلِ الإبداعيِّ الذي أصبحَ يُجابهُ الواقعَ ونكادُ نُصدِّقُه بسببِ السَّردِ القصصي الرصِين الذي يسردونَه.. بعيدًا عن تدرُّبِهم على الكتابةِ القصصيَّةِ.
بل تأكَّدوا أنَّكم ستجدونَ أنَّهم مِن مُحبِّي الإنصاتِ والاستماعِ، سواءً للإذاعاتِ أو الحواراتِ أو أيِّ شيءٍ صوتيٍّ يُنمِّي الموهبةَ التخيُّليَّةَ الإبداعيَّةَ لديهم.. فلابدَّ على أيِّ شخصٍ يريدُ الإبداعَ أن يستمعَ لشيءٍ يُحفِّزُ خيالَه لما يريدُ الوصولَ إليه وابسطُها الإذاعة.
فالصَّوتُ هو أوَّلُ شيءٍ تواصلَ فيه البشرُ فيما بينهم منذُ أوَّلِ البداياتِ البشريَّةِ على هذه الأرض ،والإذاعةُ أهمُّ مِن التِّلفازِ، ولابدَّ مِن دعمِ دورِها بين المجتمعاتِ والأقاليمِ والشُعوب.. فالإعلامُ الإذاعيُّ جزءٌ لا يتجزَّأُ من الإعلامِ الحديثِ الذي له سلطة.. فبه سقوطُ حضاراتٍ ونهضةُ أُممٍ.
الجمعة 25شعبان 1447هـ
الموافق 13 فبراير |2026