بقلم: أحمد حسن فتيحي
كعادته، ذهب لوالده المسن في بيته.. استقبلته أمه التي بادرته بالقول إن أباه في حالة حزن شديد، وأوصته بأن يتعامل معه بكل لطف وحنان.
دخل الابن، سلم عليه، ثم خيمت دقائق من الصمت.. الأب ينظر إلى ما تحت قدميه، والابن يرقبه متخوفاً من السؤال عن سر هذا الصمت. وفجأة، انحدرت دمعة من مآقي الوالد، لتصيب قلب الابن الذي تساءل في حيرة عن أسباب هذه الحالة.
عتاب المحبين
رفع الأب رأسه، ونظر إلى ابنه قائلاً:
“يا بني، إن سعادتي في رؤيتك، وقد غبت عني ثلاثة أيام.. فأصابني قلق عليك، ولم أخبر أمك حتى لا تنزعج”.
أجاب الابن بدهشة: “يا أبي، أنا هنا كل يوم!” فرد الأب: “لكن الأيام الثلاثة الأخيرة كانت السبت والأحد والإثنين، واليوم هو الثلاثاء.. يا بني، إن راحتي في أن أراك كل يوم، وأسمع منك وتسمع مني.. إن هذه اللحظات هي سعادتي الوحيدة، وقد حُرمت منها هذه الأيام، فشعرت بهزيمة ممن أحب. يا بني، أنت لا تحسبها، ولكنني أنتظرها وأترقبها، فلا تحرمني منها”.
لحظة الاعتذار والبر
أمام هذا العتاب الرقيق، لم يملك الابن إلا أن يقبل يدي أبيه وقدمه ورأسه، معتذراً عن ذلك التأخير. ثم التفت إلى أمه، فوجد الدموع تملأ عينيها، فسألها: “وماذا عنك يا أمي؟!”.
أجابت الأم بمسحة من الدعابة الممزوجة بالتأثر: “كنت أظنه يحبني أكثر منك، وأظن نفسي أحبك أكثر منه.. وعندما رأيتكما، قلت في نفسي: اطلعي منها يا بنت.. مالك مكان!“
السعادة الحقيقية
سارع الأب بطمأنتها قائلاً: “أنتِ الخير كله، وما هذا إلا إصبعاً من أصابعك”. وقال الابن: “أنتما السعادة كلها”.
ثم انحنى يقبل يدها وقدميها ورأسها، وجلسوا جميعاً يبكون في “حفلة” إنسانية انتهت بصلاة المغرب.. لقد كانوا في قمة السعادة والحنان، وفي رحاب الحب الحقيقي.