بقلم الدكتور/
مازن إسماعيل محمد:
مكة المكرمة:-
في زمن تتسارع فيه التحديات البيئية وتزداد الحاجة إلى حلول مبتكرة، يطل علينا مفهوم “الكيمياء الدائرية” كأحد أبرز محاولات إعادة صياغة العلاقة بين العلم والبيئة. المقال المنشور في مجلة Green Chemistry بعنوان Circular Chemistry: Designing Molecules for End-of-Life Recovery يفتح نافذة جديدة على مستقبل الكيمياء، حيث لا يُنظر إلى الجزيئات باعتبارها مجرد أدوات وظيفية، بل ككيانات مصممة بعناية لتعيش دورة كاملة تنتهي بالاسترجاع وإعادة الاستخدام، لا بالنفايات
يطرح الباحثون في هذا العمل فكرة جوهرية تقوم على أن تصميم الجزيئات يجب أن يبدأ من التفكير في نهايتها، أي كيف يمكن تفكيكها أو إعادة تدويرها بطرق آمنة وفعالة. ومن بين الاستراتيجيات التي يناقشها المقال تطوير بوليمرات قابلة للتحلل تحت ظروف معتدلة، أو تصميم مواد وظيفية يمكن إعادة تدويرها باستخدام محفزات محددة. كما يشدد على ضرورة دمج مبادئ الكيمياء الخضراء، مثل تقليل السمية والاعتماد على موارد متجددة، مع مبادئ الاقتصاد الدائري، لتشكيل منظومة متكاملة تعيد تعريف الاستدامة على المستوى الجزيئي.
الأمثلة التطبيقية التي يوردها المقال تشمل مواد بلاستيكية قابلة للتفكيك إلى وحداتها الأولية لإعادة استخدامها، إضافة إلى جزيئات وظيفية يمكن إعادة هندستها لتخدم أغراضًا جديدة بعد انتهاء عمرها الأول. هذه الرؤية لا تقتصر على المختبرات، بل تمتد إلى الصناعة والهندسة البيئية، حيث يُدعى إلى تعاون متعدد التخصصات يضمن تحويل هذه الأفكار إلى واقع عملي.
من زاوية أوسع، يمكن ربط هذا التوجه بمجالات مثل الطاقة الشمسية والمواد النانوية. فتصميم مواد نانوية قابلة لإعادة التدوير أو خلايا شمسية يمكن تفكيكها بسهولة عند نهاية عمرها، يمثل امتدادًا طبيعيًا لمفهوم الكيمياء الدائرية، ويعزز قدرة التكنولوجيا على خدمة الإنسان دون أن تثقل كاهل البيئة. هنا يظهر البعد الثقافي والعلمي معًا: الكيمياء ليست مجرد علم تجريبي، بل أداة لإعادة صياغة علاقتنا بالعالم، حيث يصبح الجزيء نفسه شاهدًا على التوازن بين الابتكار والمسؤولية.
يقدم هذا المقال رؤية طموحة لمستقبل الكيمياء، حيث يتحول التصميم الجزيئي إلى فعل أخلاقي بقدر ما هو علمي. إنها دعوة لإعادة التفكير في كيفية بناء المواد التي تحيط بنا، بحيث تكون جزءًا من دورة حياة متجددة، لا عبئًا إضافيًا على كوكب يئن تحت وطأة النفايات. الكيمياء الدائرية ليست مجرد مصطلح جديد، بل فلسفة علمية تحمل وعدًا بأن يكون لكل جزيء بداية ونهاية تعيدان للبيئة حقها في الاستمرار.