بقلم: عبدالله بنجابي
دخلنا الآن أثمن ليالي العام وأجلّها قدراً، وهي الليالي العشر الأواخر من رمضان، التي تمثل مضمار السباق نحو رضوان الله وعتقه من النيران. إنها أيام المنح الربانية والفيوضات التي لا تُعوض لمن أراد استدراك ما فاته، والتقرب من مولاه في أطهر البقاع.
سر الاختيار النبوي
في هذه الليالي المباركة، يستوقفنا ذلك التوجيه النبوي العظيم حين سألت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- رسول الله ﷺ عن خير ما تقوله إن هي وافقت ليلة القدر، فلم يوجهها لطلب جاه أو دنيا، بل قال لها: “قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني”.
إن اختيار “العفو” في هذا المقام يحمل دلالات عميقة؛ فالعفو في جوهره هو المحو التام لأثر الذنب من صحائف الملائكة ومن ذاكرة الوجود، وكأن العبد يبدأ صفحة بيضاء نقية مع خالقه. وبما أن الله سبحانه وتعالى “عفوّ يحب العفو”، فإن من أعظم القربات في هذه العشر أن يتشبه العبد بخالق الكرم، فيعفو عمن ظلمه، ويصفي قلبه من الشحناء تجاه إخوانه، طمعاً في أن يعامله الله بالمثل ويغمره بفيض عفوه.
“العبادة المتعدية”.. أثرٌ وبناء
بالنظر إلى دورنا في المجتمع، فإن العبادة في هذه الليالي لا تقتصر على القيام والذكر فحسب، بل تمتد لتشمل “العبادة المتعدية” التي ينعكس أثرها على الآخرين. إن السعي في قضاء حوائج المعتمرين، أو مد يد العون لمحتاج، أو إدخال السرور على قلب صائم في رحاب مكة المكرمة، هي أبواب جليلة للقبول قد تفتح للعبد ما لا تفتحه له كثرة النوافل وحدها. فالمؤمن الصادق هو من يجمع بين خلوة المناجاة وبين همة البناء والخدمة والتطوع، مستشعراً عظمة الزمان والمكان.
عنايةٌ فائقة بضيوف الرحمن
ولا يفوتنا في هذا المقام أن نرفع أسمى آيات الشكر والعرفان لمقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله. إن ما ينعم به قاصدو بيت الله الحرام من طمأنينة ويسر، وما نلمسه من تسخير جبار لكافة طاقات الدولة البشرية والتقنية لخدمة الحرمين الشريفين، هو تجسيد حي لعنايتهم الفائقة بمقدساتنا وحرصهم على راحة ضيوف الرحمن.
نسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء، وأن يحفظ بلادنا ويديم عليها أمنها وعزها واستقرارها، وأن يتقبل من الجميع صالح الأعمال.