نهر لا يهدأ.. وخادمٌ لا يعرف الرّاحةأبعد من عربات الغولف.. قراءةٌ في دفتر الحشود المكيّة.


بقلم: عبد العزيز قاسم
إعلاميٌّ وكاتبٌ صحفيٌّ

وقف محمود مشدوهًا، تتسارع أنفاسه وتتّسع حدقتاه، وكأنّه يرى النّور لأوّل مرّةٍ. هذا الرّجل الّذي يحمل في جيبه هويّةً أمريكيّةً، وفي ملامحه عبقًا عربيًّا أصيلًا، بدا في تلك اللّحظة طفلًا تائهًا عثر أخيرًا على حضن أمّه، أو لنقل مواطنًا أمريكيًّا نسي أخيرًا أين تقع واشنطن!

كنّا نقف على مشارف صحن المطاف، أمواجٌ بشريّةٌ تتلاطم في هدوءٍ عجيبٍ، وملايين الأكتاف تتلاحم في لوحةٍ لا يستطيع رسمها أعظم فنّاني الأرض. التفتّ إليه، أطالعه بطرفٍ خفيٍّ، أراقب تأثره أمام جلال الموقف.

ربّتّ على كتفه محاولًا إعادته إلى كوكب الأرض، وقلت بصوتٍ يغالبه ضجيج التّلبية: “أترى هذا النّهر البشريّ يا محمود؟ لطالما ردّد قادتنا دائمًا أنّ خدمة الحرمين شرفٌ وواجبٌ قبل أيّ شيءٍ. ما تراه الآن ليس كلامًا يقال في المنابر، بل حجارةٌ رُصّت في الأرض، وعقولٌ تبتكر في الميدان، وأيادٍ لا تتوقّف عن العمل”.
نظر إليّ وقال بعربيّةِ من ولد في الغرب، تخرج من فمه كأنّها تستأذن: “والله.. ما توقّعت!”
قلت: “وهذا أقلّ ما يقال”.

يا سادة: الشّرف الحقيقيّ لا يعلن، يُبنى، ويراه كلّ من دخل.

المشهد حولنا كان بحرًا بشريًّا لا ساحل له، زحامٌ شديدٌ كعادة هذا المكان المبارك، لكنّه زحامٌ من نوعٍ غريبٍ، تحسّ فيه بيدٍ خفيّةٍ تمسك بزمامه، وعقلٍ يجلس خلف كلّ حاجزٍ وكلّ ممرٍّ وكلّ إشارةٍ. لقد برعت بلادي في فنّ إدارة الحشود حتّى صار علمًا قائمًا بذاته، لا مجرّد تدبيرٍ ميدانيٍّ عابرٍ.

دعوني أعد لساعةٍ واحدةٍ قبل هذا الموقف، عندما أشار لي جنديّ الأمن بالتّوجّه الإجباريّ نحو موقف “النّواريّة”، إذ النّظام يقول أيَّ معتمرٍ لا يدخل مكّة بسيّارته كي لا ينافس أهلها على الأكسجين! بل يوقفها ويركب الحافلة الكبيرة المريحة، الّتي ذهبنا بها بكلّ يسرٍ وسهولةٍ لجوار الحرم مباشرةً، وحين أنهينا مناسكنا عدنا أدراجنا كما جئنا.

قلت لمحمود: “وأيم الله، إنّ هذا الخيار أفضل مليار مرّةٍ من التّورّط بإدخال السّيّارة إلى قلب الحرم، والجلوس فيها حتّى موسم الحجّ القادم!”
قال ضاحكًا: “مليار؟
قلت: “بل مليارٌ ومئتان!”
فضحك بصوتٍ أمريكيٍّ عالٍ في مكانٍ لا يعرف الصّوت العالي إلّا للتّلبية.

يا أحبّة: هندسة الحشود لا تعني تكديس الأجساد، بل إقناع العقول أنّ التّأنّي خارجًا هو أوّل درجات العبادة.

أعود بكم الآن لصديقي، الّذي يأتي العمرة لأوّل مرّةٍ بحياته، وقد أخذته الحماسة إلى أن وصل للكعبة واقترب منها ولمسها، وارتسمت ملامح الظّفر والنّصر على محيّاه. ثمّ أخذته حماسة الشّباب ليذهب ويلثم الحجر الأسود، ولا يدري أنّ الوصول إليه دونه خرط القتاد، وأنّ الطّريق مفروشٌ بالأكتاف والمرافق!

لتأتي اللّحظة الّتي سأرويها لأولادي؛ توجّه نحو الحجر الأسود فحاول، وحاول، وحاول، وعُصر من كلّ الجهات عصرًا حتّى كاد يتحوّل إلى عصيرٍ أمريكيٍّ بنكهةٍ عربيّةٍ!

كادت عيناه تخرجان من محجريهما بفعل الضّغط البشريّ الهائل، وصار معلّقًا في الهواء لا تستطيع قدماه مسّ الأرض من شدّة تلاصق الأجساد، ولم يدر عن نفسه إلّا وقد قذفته الأمواج البشريّة بعيدًا عشرين مترًا، وأنا كدت أفسد عمرتي من الضّحك عليه، وبالكاد وصلت إليه وهو يحوقل ويسترجع، ويقسم بأغلظ الأيمان أنّه وُلد من جديدٍ!
.
وقفت أضحك ملء فمي وقلت: “يا رجل، لا تعمل طرزان في المطاف! نحن أدرى بشعاب هذا المكان وأمواجه البشريّة، الكعبة تُزار بالرّوح قبل الجسد، وصديقنا طرزان نفسه لو جاء هنا لجلس في الدّور العلويّ وطاف بهدوءٍ حتّى لا يفقد لياقته!”

قال بجدّيّةٍ من نجا من ساحة معركةٍ: “نصيحةٌ غاليةٌ”.
قلت: “مجّانيّةٌ، وما دفعتُ فيها إلّا عمرًا كاملًا من التّجربة”.
دوّن الملاحظة بجدّيّةٍ، قبل أن تسوّل لي نفسي أن أتصنّع الذّكاء، وهذه آفة من يظنّ أنّه يعرف أكثر ممّا يعرف!

بكلّ صراحةٍ: الكعبة مزارٌ للأرواح لا حلبةٌ للمصارعين، والتّراجع في الزّحام عبادةٌ، حين يكون الاقتراب تهلكةً!

رأيت ممرًّا بدا لي مختصرًا نحو صحن المسعى، فاقتربت من جنديٍّ شابٍّ أرجوه أن يأذن لنا بالمرور. ابتسم الشّابّ ابتسامة الخبير وقال بأدب الواثق: “صدّقني يا عمّ، لو سمحت لك ستتعذّب كي تصل، ستخالف الخارجين وتتأخّر، الأفضل أن تمشي في نفس المسار فتصل”.

شكرته بكلّ اقتناعٍ، وأنا أطوي ذكائي في جيبي، والتفتّ لمحمود قائلًا: “شاهد يا صديقي، أحيانًا نحن من نعكس النّظام ونُبطّئه باجتهاداتنا، ثمّ نظنّ أنّ الخلل في غيرنا!”

قال محمود: “كما عندنا في أمريكا، كلّ واحدٍ يظنّ أنّه أذكى من الخارطة!”
قلت: “الخريطة يا محمود.. الخريطة”.

أقولها بكلّ صدقٍ: نصف فوضى الحياة تأتي من محاولاتنا الدّائمة لاختصار طرقٍ رُسِمت لحمايتنا أصلًا.

وهنا وقفت وقفة المتأمّل لا المنتقد. هذا المكان يستقبل اليوم ما يقارب سبعة عشر مليون معتمرٍ في العام، والأعداد تتضاعف مع كلّ موسمٍ، والمستهدف ثلاثون مليونًا بحلول عام ألفين وثلاثين.

سهولة الوصول عبر قطار الحرمين وشبكات النّقل الحديثة والطيران الرخيص فتحت الطّريق أمام كلّ راغبٍ في كلّ بقعةٍ من الأرض، وهذا نعمةٌ تستوجب الشّكر، لكنّها في الوقت ذاته تضع على عاتق المخطّطين أمانةً ثقيلةً. عنق الزّجاجة الحقيقيّ لم يعد في المواصلات ولا في المواقف، بل انتقل إلى آخر خمسمئة مترٍ، إلى قلب المطاف نفسه.

وما يجعل التّطوير اليوم ضرورةً لا ترفًا أنّ النّجاح الكبير نفسه هو الّذي يستدعيه؛ فحين تنجح التّجربة يزيد الإقبال، وحين يزيد الإقبال يصبح التّطوير جزءًا من الحفاظ على النّجاح لا مجرّد إضافةٍ إليه. يُضاف إلى ذلك أنّ الحشد لا يُربكه العدد وحده، بل خلط النّوايا والسّرعات في دائرةٍ واحدةٍ؛ من يريد عمرةً سلسةً هادئةً، ومن يريد الاقتراب من الحجر مغامرًا كمحمود، ومن يسير ببطء الكبير في السّنّ، كلّهم في مسارٍ واحدٍ، وهذا وحده كافٍ لأن يحوّل النّهر إلى مستنقعٍ.

حقيقةٌ: إنّ العبقريّة الهندسيّة ليست في حشد الملايين، بل في جعل كلّ فردٍ يشعر وكأنّ المكان صمّم له وحده.

قلت لمحمود: “الحلّ ليس في زيادة الوسائل فقط، بل في ما أسمّيه فلسفة الجرعة التّشغيليّة”.
قال: “الجرعة؟ هذا طبّ!”
قلت: “هو طبٌّ بالضّبط، طبّ الحشود. كالدّواء تمامًا؛ تجرّع الدّفعات البشريّة بحسب السّعة الفعليّة للمطاف في تلك الدّقيقة، فلا يُدار الزّحام بعد تكوّنه، بل يمنع تكوّنه قبل أن تطأ قدمه صحن الطّواف”.

ومن أعمل ما يمكن تبنّيه في هذا الشّأن، وأيسره تنفيذًا: حاجزٌ مرنٌ متحرّكٌ في منتصف الممرّات المتقابلة بين الدّاخلين والخارجين. قبل الصّلاة، حين يكون الآتون أكثر، تُمنح لهم ثلاثة أرباع المساحة. وبعد الصّلاة، تنعكس الآية لصالح المنصرفين. الدّفق البشريّ كالماء، لا يصحّ أن يتوقّف، وهذا التّعديل البسيط قد يمنع آلاف لحظات الاحتكاك يوميًّا.

ولا يقلّ عن ذلك أهمّيّةً أن يُفصل الطّائفون بحسب قصدهم ووتيرتهم؛ مسارٌ للعمرة السّلسة الهادئة يأخذ صاحبه في دورةٍ منتظمةٍ بلا توقّفاتٍ حادّةٍ، ومسارٌ للرّاغبين في الاقتراب من الحجر أو الملتزم، يغلق تلقائيًّا عند بلوغ كثافة الخطر.

فإذا أضفنا إلى ذلك شاشاتٍ حيّةً في الحافلات والتّطبيقات تُظهر للمعتمر الحقيقة اللّحظيّة لا التّعليمات الصّامتة، هذا المدخل اثنتا عشرة دقيقةً وذاك سبعٌ وعشرون، وإشاراتٍ أرضيّةً ضوئيّةً يتبعها الإنسان بفطرته في الزّحام لأنّه ينظر إلى موطئ قدمه لا إلى السّقف، إذا أضفنا كلّ ذلك، تحوّل الزّحام من كتلةٍ تصطدم إلى نهرٍ يجري.

قال محمود مبتسمًا: “وأنا ظننت أنّ المشكلة لا حلّ لها!”
قلت: “المشكلة دائمًا تحمل في داخلها نصف الحلّ يا صديقي، المهمّ أن تقرأها بعين المحبّ لا بعين الشّاكي”.

حقًّا! أعظم الحلول الهندسيّة ما يخاطب فطرة الإنسان الصّامتة، لا ما يصرخ في أذنيه بالتّعليمات.

قبل أن نغادر، التفت محمود إليّ وقال بعربيّةٍ أحسن ممّا توقّعت: “أنا جئت أؤدّي عمرةً، وراجعٌ بدرسٍ كاملٍ في هندسة البشر!”

ابتسمت وقلت: “والله يا صديقي، هذا المكان يعلّمك أنّ الجلال لا ينافي النّظام، وأنّ الرّوح كلّما سمت احتاجت إلى ترتيبٍ أحكم ورحمةٍ أوسع”.
صمت قليلًا ثمّ قال: “وأنا ظننت طرزان فكرةً جيّدةً!”
قلت: “طرزان مات في الغابة يا صديقي، أمّا هنا فالبقاء للمنظّم!”.

للقائمين على هذا الجهد العظيم كلّ الشّكر والتّقدير، بذلوا ما يرى وما لا يرى، وأقاموا منظومةً يشهد لها التّاريخ. وليس في الدّعوة إلى التّطوير انتقاصٌ من المنجز، بل هو اعترافٌ به وإيمانٌ بأنّ ما بني بعقلٍ كبيرٍ يستحقّ أن يكمل بعقلٍ أكبر.

همست وأنا أسحب خطاي فخرًا أمام صاحبي المبهوت، تاركين خلفنا ملايين القلوب: “شرف هذه الدّيار لا يعرف محطّة وصولٍ، فكلّما اعتقدنا أنّنا أتممنا المهمّة، استنفرتنا دمعة شوقٍ لقاصدٍ جديدٍ”.

شاهد أيضاً

‏بيئة الكامل والجموم تنفذان حملة رقابية على الأسواق والمسالخ لضمان عيد صحي وآمن

منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي : مكة المكرمة:-‏‏نفّذ مكتب وزارة البيئة والمياه والزراعة بمحافظتي الكامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *