منصور نظام الدين –
عبدالله بنجابي: مكة المكرمة:-

مع دخول العشر الأواخر من رمضان، تتزاحم في ذهن الكثير من الأسر أسئلة معتادة حول إمكانية أداء العمرة في تلك الأيام الفضيلة، في ظل العادات والولائم والتجمعات الرمضانية وما استهلكته من ميزانية ومصروفات، ومع إقتراب عيد الفطر بما يتطلبه من إنفاق. غير أن السؤال الأعمق يجب أن يكون حول ترتيب أولويات الإنفاق، وكيف ننظر إلى قرار العمرة؟
وهل هو بند تكلفة،
أم استثمار روحي وأُسري؟
في لغة الأرقام، قد تبدو العمرة مصروفًا إضافيًا على ميزانية مثقلة بالتزامات رمضان والعيد. لكن في لغة المعنى والقيمة، فهي تجربة جامعة بين العبادة والسكينة واللقاء الأسري في أطهر بقاع الأرض، وأيضاً بين المعرفة والثقافة والتاريخ، ضمن تجربة سفر داخلية منظمة وآمنة تعكس مستوى الجاهزية والخدمات المتقدمة داخل المملكة.
ولا يُعد قضاء يومين في مكة المكرمة، والصلاة في المسجد الحرام، والطواف حول الكعبة المشرفة، وزيارة المعالم الدينية المميزة، مجرد رحلة قصيرة بالمقاييس العادية أو المادية؛ بل تجربة روحية تترك أثرًا طويل الأمد في الفرد والأسرة. وفي رمضان، تتضاعف القيمة المعنوية لتلك الرحلة، حيث يرتبط هذا الشهر الكريم بالقرآن والقيام والصدقة وصلة الرحم، وتأتي العمرة لتكثّف كل هذه المعاني.
وإذا كانت الأسر عادةً تستعد لموسم العيد بميزانيات مخصصة للملابس والهدايا والولائم والسفر القصير. وهي عادات جميلة تعكس الفرح والبهجة، لكنها في الوقت نفسه قابلة لإعادة الضبط، حيث يُعد قرار العمرة أولوية تُقدَّم على بعض الكماليات الموسمية، دون أن يُلغى الفرح بالعيد، بل يُعاد تعريفه ليكون فرحًا بأداء مناسك دينية، وإعلاء لمعاني روحية.
واللافت في السنوات الأخيرة أن موسم رمضان يشهد حراكًا واسعًا من الجهات السياحية والخدمية داخل المملكة؛ مثل الفنادق، والشقق المفروشة، وشركات النقل، وغيرها، والتي تطلق جميعها عروضًا خاصة بالشهر الكريم، لتيسير الوصول إلى مكة المكرمة، وتقديم باقات متنوعة تناسب شرائح مختلفة من المجتمع. حيث تقدم العديد من الفنادق وأماكن الإقامة عروضا وباقات خاصة بالعمرة في رمضان.
وفي زمن تتباعد فيه الجداول وتتزاحم الالتزامات، تمنح العمرة الأسرة فرصة للالتقاء خارج ضغوط الحياة اليومية؛ ساعات في الطريق، وأخرى في الطواف والسعي، ودعوات مشتركة، ودموع صادقة عند رؤية الكعبة لأول مرة أو بعد طول اشتياق، بالإضافة إلى زيارة الأماكن التاريخية والمعالم الدينية الأخرى التي تزخر بها مكة المكرمة
هذه اللحظات لا تُقاس بقيمتها المالية، بل بأثرها التربوي والنفسي، وما تحمله الذاكرة من صورة مختلفة لمعنى رمضان، تبقى أثرها لسنوات طويلة.
وتتميز مكة المكرمة بمذاق خاص في شهر رمضان المبارك لا يتشابه مع أي مدينة أخرى في العالم. فإلى جانب كونها حاضنة الحرمين الشريفين وقبلة المسلمين في كل بقاع الأرض، تحفل بالعديد من المواقع التاريخية والمقدسة، وبعدد كبير من المتاحف والمواقع التي تعكس مكانتها الدينية والتاريخية والروحية والحضارية عبر القرون.
ويستمتع زائر مكة المكرمة بمشاهدة تاريخ الإسلام، وتاريخ أم القرى من خلال عدد من المتاحف، التي تحتضنها مكة المكرمة، والتي تلقي الضوء على تاريخها العريق، ومن أبرزها المعرض والمتحف الدولي للسيرة النبوية والحضارة الإسلامية، والذي يتعرف الزائر من خلاله على حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وخصاله الشريفة وسنته وحياته مع زوجاته وأصحابه، والتي يعرضها المتحف مفصلة بأسلوب قصصي شيّق.
كما يستمتع أيضاً بزيارة “حي حراء الثقافي”، والذي يجمع بين الثقافة والتاريخ في محيط جبل النور، وكذلك “متحف القرآن الكريم”، و”معرض الوحي”، و”متحف برج الساعة”، وغيرها من التجارب والوجهات التي تثري الرحلة، وتجعلها أكثر عمقاً ومتعة.
وبهذا المعنى تصبح العمرة في رمضان مشروعًا قصير الأجل يجب الاستعداد له عبر إعادة توزيع بنود الإنفاق الموسمية.
وبين التكلفة والقيمة، تختار كل أسرة ما تراه أولى. لكن إعادة صياغة السؤال قد تكشف أن قرار العمرة ليس عبئًا إضافيًا، بل فرصة لإدارة الميزانية بروح مختلفة، تجعل من رمضان نقطة تحوّل في ترتيب الأولويات. حيث يُعد قرار أداء العمرة استثمارًا في “رأس المال الروحي” للأسرة، لتظل تلك اللحظات الروحية هي القيمة الحقيقية التي تستحق إعادة جدولة الميزانية من أجلها.