​خارطة الطريق لسكينة النفس

​في مشهدٍ يفيض بالأبوة والحكمة، وقف النبي ﷺ أمام ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها —وهي التي كانت إذا دخلت عليه قام إليها وقبّلها وأجلسها في مكانه— ليمنحها عطاءً من نوعٍ فريد. لم يكن العطاء ذهباً ولا فضة، بل كان توجيهاً يضبط إيقاع الروح وسط ضجيج الحياة ومتاعبها. بدأ النبي ﷺ حديثه بسؤالٍ يسترعي الانتباه، ويفتح مغاليق القلوب: “يا فاطمة، ما يمنعكِ أن تسمعي ما أوصيكِ به؟”، وكأن هذا السؤال النبوي هو دعوة لنا جميعاً للتوقف عن الركض خلف الأوهام والإنصات لسر الطمأنينة الحقيقي، ثم جاءت الوصية التي أُمرت أن تلازمها صباحاً ومساءً: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”.

​حين نتأمل في هذا التوجيه، نجد أنه يرسم لنا ركائز واضحة لمواجهة أي تحدٍ يواجهنا؛ فالبدء بالنداء “يا حي يا قيوم” هو اعتراف صريح بأن كل حيّ يستمد بقاءه من “الحي”، وأن كل قائم بأمره يستند إلى “القيوم” الذي لا ينام ولا يغفل، وهو خروج من ضيق حول الإنسان وقوته إلى سعة وقدرة خالقه. والمؤمن هنا لا يلجأ إلى الله بذكائه أو حسن تدبيره، بل يصرخ “برحمتك أستغيث”، فالرحمة الإلهية هي الملاذ الذي لا يُغلق بابه أبداً، وهي اعتراف بالضعف البشري الذي يجد قوته في الافتقار إلى الله.

​وتمتد شمولية هذه الوصية لتشمل تفاصيل الحياة كافة في عبارة “أصلح لي شأني كله”، حيث يضع الإنسان ملفات حياته المعقدة —من تربية أبناء، وضغوط عمل، وتدبير رزق— بين يدي “الخبير”، مانحاً الله الوكالة المطلقة ليدبر أمره بما يصلحه. أما التحذير الختامي “ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”، فهو الضمانة الكبرى ضد الغرور؛ فمهما بلغ الإنسان من علمٍ أو جاه، يظل تائهاً إن وُكِل إلى نفسه الضعيفة، فـ “طرفة العين” زمن يسير جداً، لكنه كفيل بانهيار كل شيء إذا انقطع عنه حبل التوفيق الإلهي.

​إن استحضار هذا المشهد النبوي اليوم يعيد إلينا ترتيب أولوياتنا، ويعلمنا أن السكينة لا تأتي من كثرة القلق والتدبير، بل من صدق التفويض والالتجاء؛ فمن جعل الله وكيله في شأنه كله، وجد منه كفايةً وهدايةً وتسديداً في كل خطوة يخطوها.

​وفي الختام نرفع أكف الضراعة أن يحفظ الله بلادنا منارةً للخير والهدى، وأن يديم عليها نعمة الاستقرار والازدهار تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، الذين يقودون هذه البلاد برؤيةٍ حكيمة تضع مصلحة الإنسان وصلاحه في مقدمة كل اعتبار، سائلين المولى أن يديم علينا نعمة الأمن والأمان والتمكين.

شاهد أيضاً

معالي رئيس الشؤون الدينية: علم المملكة سياجٌ للتوحيد ومنهاجٌ للدولة واعتزازٌ بالشريعة والوحدة الوطنية

منصور نظام الدين –عبدالله بنجابي :مكة المكرمة:- أكد معالي رئيس الشؤون الدينية بالمسجد الحرام والمسجد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *