مع أزوف رحيل شهر الخير، تفيض المشاعر وتتباين الأحاسيس في نفوس المؤمنين؛ فبينما يستعد العالم الإسلامي لاستقبال عيد الفطر ببهجته وسروره، نجد قلوباً تخفق شجواً، وعيوناً تترقرق دمعاً على فراق أيامٍ كانت هي الروح والريحان. هذا الحزن على فراق رمضان، إذا لم يصحبه محذور شرعي أو تكلف ينافي سنة الفرح بالعيد، هو في حقيقته شعور “جبلي” وطبيعي يعكس عمق الرابطة بين العبد وموسم الطاعات.
لقد لخصت أبيات الوداع التي تلهج بها الألسن في خواتيم الشهر ذلك المزيج الفريد من الحزن والرجاء، حيث ينادي المؤمن بلسان الافتقار والوجل:
يا أيها الشهر ترفّق … فدموعي تتدفق
هل تراني أوفّق … ومن النار أعتق؟!
إن قلبي قد تشقق … عسى توبة تصلح ما تمزق
عسى منقطع عن ركب المقبولين يُلحق
عسى أسير الأوزار يُطلق … عسى مستوجب النار يُعتق
وعسانا لرضى المولى نُوفق … وإلى الخيرات كلنا نُسبق
إنه نداء المحبين الذين يخشون الفوات، ويطمعون في القبول، آملين أن تجبر التوبة ما انكسر من التقصير، وأن يلحقوا بركب العتقاء قبل إغلاق أبواب الموسم. وقد أجمع أهل العلم على أن التباكي أو الحزن لفراق رمضان هو تعبير صادق عن حب الطاعة والأسى على فوات موسم الحسنات؛ فهو ليس بدعة، بل يُعدُّ مؤشراً على توفيق الله للعبد، تماماً كما كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يودعون الشهر بقلوب وجلة، حيث يروى عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه كان ينادي في آخر ليلة من رمضان: “يا ليت شعري من هذا المقبول فنهنيه، ومن هذا المحروم فنعزيه”.
إننا لا يمكن أن نجرد الناس من أحاسيسهم وعواطفهم، ولا نثرب على من حزن، فالحزن هنا ليس يأساً بل هو تقدير للقيمة، والموازنة بين هذا الشجن وبين سنة الفرح بالعيد تكمن في الجمع بين الفرح بإتمام العبادة عملاً بقوله تعالى: “قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا”، وبين الحزن الوجداني على ذهاب الفرص. وفي غمرة هذا الوداع، تطل علينا شعائر التمام؛ وعلى رأسها زكاة الفطر التي تُعتبر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، وإحياء سنة التكبير في ليلة العيد، والعزم على صيام ست من شوال لننال أجر صيام الدهر.
إن العبرة ليست في انقضاء الأيام، بل في بقاء الأثر، فليكن حزننا على فراق رمضان وقوداً للاستمرار على الطاعة طوال العام، ولتكن دموع الوداع غسلاً للقلوب تستقبل به العيد بصفاء ونقاء. وفي ختام هذه الأيام المباركة، نسأل الله أن يحفظ بلادنا ويديم عليها أمنها وإيمانها، تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله، والذين سخروا كل الإمكانات لخدمة الإسلام والمسلمين وتوفير سبل الراحة لقاصدي بيته العتيق، سائلين المولى أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال.