العقلُ يسبقُ السيف..

​في لحظات الصدام، يميل البشر غريزياً إلى تمجيد “الشجاعة”؛ ذلك الاندفاع المحموم، والقوة البدنية، والقدرة على المواجهة. لكن المتنبي، شاعر الحكمة والحرب، وضع يدَه على حقيقة أزلية حين قال:

الرَأيُ قَبْلَ شَجاعَةِ الشُّجْعانِ.. هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثَّاني فالشجاعةُ خادمٌ مطيع، لكن الرأي هو السيد المُطاع.

​يخبرنا هذا البيت أن الشجاعة دون “رأي” هي مجرد تهور انتحاري؛ فالرأي هو الذي يحدد أين تُبذل الشجاعة؟ ومتى يحين وقت الاندفاع؟ وكيف نخرج بأقل الخسائر؟ إن الشجاعة هي “المحرك”، لكن الرأي هو “المقود”، وبدون مقود يتحول المحرك القوي إلى أداة للتدمير الذاتي. الشجاعة تعني القدرة على الاقتحام، أما الرأي فهو الذي يخبرك إن كان خلف الباب جدارٌ أم طريق.

​ويتجلى عمق “الرأي” الذي قصده المتنبي في حكمة بليغة تفكك مستويات الوعي البشري تجاه الخطر؛ حيث تقول: “الكلب ينظر إلى العصا، والذئب ينظر إلى اليد التي تحملها.. أما الثعلب فينظر إلى العينين”. هذه الحكمة هي تشريح دقيق لطبقات الذكاء؛ فمستوى “العصا” هو رد الفعل البدائي والانشغال بالأداة والنتائج الظاهرة، ومستوى “اليد” هو الوعي السببي الذي يرى الفاعل لكنه يظل أسيراً للصراع المباشر. أما مستوى “العين” فهو الرأي الاستشرافي؛ أي قراءة النية قبل الحركة، والقرار قبل الفعل، والفكرة قبل أن تصير عصاً. هنا يبدأ الذكاء الحقيقي: أن تقرأ ما لم يحدث بعد.

​لا تُبنى الدول بالاندفاع العاطفي أو بمجرد ردات الفعل، بل بالرؤية الاستراتيجية الثاقبة التي تسبق الفعل وتوجه القوة. إن تقديم “الرأي” الاستباقي هو ما يصنع الفارق بين إدارة الأزمات وصناعة المستقبل. وهذا ما نلمسه بوضوح في مسيرة وطننا الغالي، حيث وُضعت “الرؤية” كخارطة طريق سديدة سبقت كل حراك تنموي، فكان “الرأي” هو القائد الذي مهد طريق النجاح وجعل القوة في مسارها الصحيح والمثمر.

​الشجاعة هي القوة التي تكسر الأبواب، لكن الرأي هو المفتاح الذي يفتحها بسلام. فكن دائماً ممن ينظرون إلى “العينين”، لتملك زمام “الرأي” قبل أن تضطر لاستخدام “الشجاعة”.

​بفضل قيادة حكيمة من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان حفظهم الله.

شاهد أيضاً

كلمة مؤسسة جائزة العنقاء الدولية بمناسبة اليوم العالمي للمرأة

بقلم /محمد رشيدمؤسس وأمين عام الجائزة : العراق:-.في كل عام يحتفي العالم بـ اليوم العالمي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *