خلف كل شكوى مستمرة وعجز دائم، قد تختبئ حقيقة نفسية مذهلة: الإنسان أحياناً يقاتل ليبقى عالقاً. نحن لا نتحدث هنا عن الألم المفروض قسراً، بل عن ذلك “الألم المألوف” الذي يتحول مع الوقت إلى منطقة راحة (Comfort Zone) يصعب التخلي عنها.
1. جوهر المشكلة: حين يصبح السجن أماناً
القاعدة الذهبية في التغيير تقول: “لا يمكنك تحرير شخص لا يريد هو نفسه التحرر”. الكثيرون يشتكون من وضع مؤلم (سواء كان فقراً، علاقة سامة، أو تعثراً نفسياً)، لكنهم في اللحظة التي يُعرض عليهم فيها مفتاح الحل، يبدؤون بصناعة الأعذار. الحقيقة أنهم لا يدافعون عن ظروفهم، بل يدافعون عن “الهوية” التي اكتسبوها داخل هذا الألم.
2. نماذج المقاومة: لماذا نرفض التغيير؟
تتعدد صور المقاومة اللاواعية، ويمكن تلخيص أبرز نماذجها في الحالات التالية:
- الضحية المستفيدة: يرفض أدوات العلاج لأن دور “المظلوم” يمنحه مكاسب ثانوية، مثل تعاطف الآخرين المستمر وإعفائه التام من المسؤولية تجاه حياته.
- الأمان في المألوف: يفضل الشخص البقاء في علاقة مؤذية لأن “الألم الذي يعرفه” أهون لديه من “المجهول” الذي ينتظره بعد التغيير.
- عذر العجز الأبدي: يشتكي من الفقر أو الفشل ويرفض التعلم؛ لأن النجاح سيسلب منه “العذر” الذي يبرر به قعوده لسنوات.
- المرض كالهوية: حين يتحول الابتلاء إلى تعريف للذات (أنا المكتئب، أنا الفاشل)، يصبح الشفاء في نظر المصاب تهديداً لوجوده، وكأنه سيفقد نفسه إذا تعافى.
- سلطة الاعتراف بالخطأ: مثل الوالد المتسلط الذي يشتكي جفاء أبنائه لكنه يرفض تغيير أسلوبه؛ لأن التغيير هنا يعني مواجهة ثقيلة مع الذنب والاعتراف بالخطأ.
3. متى يكسر القيد؟
التحرر الحقيقي لا يبدأ بمجرد الشكوى، فالشكوى غالباً ما تكون “تنفيسًا” يسمح للشخص بالاستمرار في سجنه لفترة أطول. يبدأ التغيير فقط عندما يمل الشخص من الدفاع عن سجنه، وعندما تصبح شجاعة التخلي عن “مكاسب الألم” أكبر من الخوف من المجهول.
4. حدود الوعي: نصيحة لكل قائد و”كوتش”
فهم هذه الديناميكيات ليس قسوة، بل هو رسم لـ “حدود صحية” في التعامل مع الآخرين:
- لا تحرق طاقتك في إنقاذ غريق متمسك بقاع البحر.
- وجه دعمك لمن يبحث عن “أدوات التغيير”، وليس لمن يبحث فقط عن “جمهور لشكواه”.
خاتمة تقديرية:
إن المسيرة التنموية والاجتماعية التي نعيشها تتطلب منا وعياً حقيقياً بآليات النفس البشرية، لضمان وصول الدعم لمستحقيه الذين يملكون إرادة النهوض.