في كل عام، تتجه القلوب قبل الأقدام إلى مكة المكرمة، حيث تلتقي طرق الأرض في نقطةٍ واحدة، وتتعانق لغات البشر وثقافاتهم تحت سماءٍ واحدة. هناك لا يكون الحج مجرد شعيرةٍ تؤدى، بل مشهدًا إنسانيًا عظيمًا، تتجلى فيه وحدة الأمة، وتنبض فيه رسالة المكان الذي خرجت منه أعظم قصة هداية عرفها التاريخ.
ومن هذا المعنى العميق، انطلقت مبادرة “من مكة للعالم” في عام 2023، بوصفها رؤيةً إعلامية وثقافية تتجاوز حدود الخبر إلى أفق الفكرة، وتتجاوز التغطية إلى صناعة الرسالة. مبادرةٌ أُطلقت بالتعاون مع شركة إنتاج إعلامي، لتكون منصةً تنطلق منها أفكار مكة وثقافتها وإبداعها إلى العالم، وتفتح للحج نافذةً واسعة للتواصل المؤسسي والإعلامي، بحيث تتحول مكة إلى منارةٍ للإلهام الإنساني والثقافي.
فالحج ليس حدثًا محليًا، بل موسمٌ عالمي يجتمع فيه المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها، يحملون معهم ثقافاتهم وتجاربهم ورواياتهم الإنسانية. وفي هذا اللقاء الكوني تصبح مكة منصةً طبيعية لإيصال الرسائل الحضارية، وفرصةً فريدة لتقديم صورة حضارية وإبداعية عن الإنسان والمكان والرسالة.
ومن هنا تبرز أهمية التواصل المؤسسي والإعلامي في موسم الحج؛ إذ لا يقتصر دوره على نقل الحدث، بل يمتد ليصنع سرديةً متكاملة عن الجهود والتنظيم والخدمة. سرديةٌ تُظهر للعالم كيف تعمل المؤسسات، وكيف تتكامل الجهات، وكيف تتحول الخدمة إلى ثقافة، والتنظيم إلى رسالة، والعمل إلى قصة نجاحٍ إنسانية تستحق أن تُروى للعالم.
إن مكة ليست فقط مدينةً تستقبل العالم، بل مدينةٌ تُلهمه. ولهذا فإن الاقتصاد الإبداعي يجد في مكة منطلقًا طبيعيًا؛ فمن هنا يمكن أن تنطلق الأفلام إلى المهرجانات العالمية، وتخرج الأفكار المعمارية إلى فضاءات التصميم، وتتحول الفنون البصرية والمجسمات إلى رموزٍ تعبر عن هوية المكان وتروي للعالم قصة مدينة تجمع بين الروحانية والتاريخ والإبداع.
ومع أن كثيرًا من المدن تصنع رموزها الثقافية والبصرية عبر المجسمات والمعالم الفنية، إلا أن مكة ما تزال تحمل في ذاكرتها إمكاناتٍ إبداعيةً واسعة يمكن أن تتحول إلى مشاريع ثقافية وإعلامية عالمية تعكس روح المكان وتُجسد هويته الحضارية. وهنا يأتي دور الحاضنات الإبداعية في اكتشاف هذه الأفكار وصقلها وإطلاقها لتصبح جزءًا من المشهد الثقافي العالمي.
ومن هذا المنطلق تعمل حاضنة مأمني الإبداعية بقيادة مؤسسها سعود محمد على تسليط الضوء على المبادرات والأفكار التي تنطلق من مكة، ودعمها لتتحول إلى مشاريع مؤثرة عبر الشراكات مع الجهات الحكومية والمؤسسات الثقافية والإعلامية.
فالإبداع حين يتراكم يصبح اقتصادًا، والثقافة حين تتكامل تصبح صناعة، والمكان حين يُروى للعالم بلغة الفن والإعلام يتحول إلى مصدر إلهامٍ دائم.
وقد شهدنا مؤخرًا أحد النماذج الملهمة في هذا الاتجاه من خلال مبادرة مكة تلهم العالم التي أطلقها مركز البلد الأمين التابع لـ أمانة العاصمة المقدسة بفكرة الأستاذ ضيف الله الخزمري، وهي مبادرة تعكس كيف يمكن للفكرة أن تتحول إلى رسالة، وكيف يمكن لمكة أن تكون مصدر إلهام يتردد صداه في العالم.
وفي موسم الحج تتجلى هذه الرسالة بأبهى صورها؛ فجهود الجهات الحكومية، وشركات خدمة الحجاج، والمنظومات التنظيمية في المشاعر المقدسة، وما يُقدَّم للحجاج من تنظيمٍ وإعاشةٍ وخدماتٍ ولوجستية، كلها تشكل قصة نجاحٍ إنسانية تستحق أن تُروى للعالم.
إنها قصة مدينةٍ تتكاتف فيها الجهود، لتكون مكة صوتًا للإبداع، ورسالةً للإلهام، ونموذجًا للتنفيذ والعمل المشترك.
فمن مكة تنطلق الفكرة، وفي مكة تتشكل الرؤية، ومن مكة يصل الصوت إلى العالم.
وهكذا تصبح المبادرة صادقةً في اسمها ومعناها:
من مكة للعالم.
فمكة تستحق أن تُروى حكايتها،
وتستحق أن يرى العالم ثقافتها وإبداعها،
وتستحق أن يسمع صوت شبابها وبناتها ومؤسساتها وشركاتها.
مكة التي تلهم العالم،
هي نفسها التي تنطلق منها الرسالة…
رسالة من مكة للعالم.
سعود محمد
حاضنة مأمني الإبداعية