كثرت الطُّرُقات على أبواب الناس، حتى ظن بعض أهل الدار أن كثرة الأصوات دليل على أهمية الضيوف، وأن كل طارق يستحق أن يُفتح له الباب، وأن كل ضجيج يستحق أن يُنصب له مجلس.
غير أن البيوت العريقة لا تُعرف بكثرة الداخلين إليها، بل بالأدب الذي يسودها.
وقد يحدث، في بعض الأزمنة، أن يكون جيران البيت أكثر تأدبًا من أهل الدار، لا لأنهم أحق بالمكان، بل لأنهم ما زالوا ينظرون إليه بعين الاحترام، بينما اعتاد أهله وجوده حتى نسوا بعض آدابه.
فليس كل من سكن الدار من أهلها، وليس كل من جاورها غريبًا عنها.
ومن حكمة البيوت القديمة أنها لا تفتح أبوابها خوفًا من الوحدة، ولا تغلقها خوفًا من التغيير.
إنما تستقبل الطارقين بوجه طلق، ثم تدعوهم إلى مجلس الأدب قبل مجلس الرأي.
فإن جاء أحدهم بعلم، أو تجربة، أو كلمة طيبة، أُكرم وأُصغي إليه.
وإن جاء بضجيج عابر، أُحسن استقباله، ثم تُرك ليمضي في طريقه دون خصومة.
فالبيت الذي يفقد أدبه، لا تحميه جدرانه.
والبيت الذي يحفظ أدبه، قد يساهم في بنائه أهله وجيرانه وطارقوه على السواء.
ولعل أجمل ما يورثه أهل الدار لمن يأتي بعدهم، ليس المفاتيح، بل آداب فتح الباب.