شهدت البيئة التشريعية في المملكة العربية السعودية تحولات جذرية أصلت لمفهوم “الحوكمة القضائية”، وجعلت من القضاء الملاذ الوحيد والشرعي لفض النزاعات واستخلاص الحقوق. ورغم هذا التطور التشريعي المشهود، لا تزال تظهر في الأوساط العقارية بعض الممارسات الفردية الخاطئة، مثل قيام بعض ملاك العقارات بتغيير أقفال العين المؤجرة لمنشآت تجارية أو جمعيات أهلية، ظناً منهم أن ملكية الرقبة تمنحهم الحق في فرض شروطهم أو الضغط لتحصيل مستحقاتهم متأخرة السداد.
ويُجمع فقهاء القانون والقضاء السعودي على أن قيام المالك بقفل العين المؤجرة دون حُكم قضائي أو إذن تنفيذي يُعد تصرفاً مجرماً وغير نظامي؛ إذ يُصنف هذا الفعل قانوناً تحت مظلة “استيفاء الحق بالذات” والتعدي على الحيازة؛ ذلك أن حيازة المنفعة بموجب عقد الإيجار هي حق محمي للمستأجر طوال مدة العقد، وإن انتزاع هذه الحيازة بالقوة أو الحيلة يعد افتئاتاً صريحاً على سلطة الدولة والقضاء؛ فالقانون لا يبيح لصاحب الحق أن يقتضيه بيده بعيداً عن القنوات النظامية.
وقد وضعت الدولة — أيدها الله — عبر الهيئات والجهات المختصة حلولاً جذرية لحفظ حقوق الملاك والمستأجرين على حد سواء من خلال منصة “إيجار” الموحدة؛ حيث يُعد عقد الإيجار الموحد الموثق عبر الشبكة بمثابة “سند تنفيذي” يجيز للمالك التوجه مباشرة إلى محكمة التنفيذ للمطالبة بالأجرة المتأخرة، أو المطالبة بالإخلاء المباشر عند انتهاء مدة العقد أو تحقّق دواعيه النظامية دون الحاجة لخوض دعاوى موضوعية مطولة. ومع وجود هذا المسار الناجز، لم يعد ثمة أي مبرر قانوني أو منطقي للجوء إلى الأساليب البدائية والتصرفات الأحادية.
وحين يتخذ المالك خطوة إغلاق المقر تعسفياً، فإنه يحوّل موقفه القانوني رأساً على عقب؛ من صاحب حق يطالب بماله إلى معتدٍ يواجه طائلة العقوبات والدعاوى؛ بدءاً من المساءلة الجنائية أمام النيابة العامة بتهمة الدخول للعين بقصد منع الحيازة بالقوة والتعدي على ملك الغير، مروراً بالدعاوى المستعجلة عبر منصة “ناجز” لتمكين المستأجر من الفتح الفوري للعين، وصولاً إلى المسؤولية التقصيرية والإلزام بالتعويض المادي والمعنوي عن كافة الأضرار الناجمة عن الإغلاق — كتعطل مصالح المنشأة، وتلف الأصول أو المواد الإغاثية، ودفع أجور الموظفين دون عمل، والضرر المترتب على السمعة الاعتبارية.
إن قوة الأنظمة السعودية الحديثة تكمن في شموليتها وعدالتها؛ فلا ضياع لحق مالك العقار في ظل الأحكام الصارمة لمحاكم التنفيذ، ولا استباحة لحقوق المستأجر وحيازته المحمية بالنظام، مما يحتم على الكافة إدراك أن منصات العدالة الرقمية هي المسار الأوحد لرد المظالم، وأن النزول إلى معترك التصرفات الفردية لا ينتج عنه إلا تعقيد الموقف المالي والقانوني للمُتصرّف، وتحويله من دائنٍ يطلب حقه إلى مدينٍ تحت طائلة النظام.