بقلم / وديع بنجابي – صحيفة محبي مكة

في مكة، حيث تتقاطع الروح بالعلم، وتتشكل القيم في البيوت قبل المدارس، عاش خالي سعيد محمد مكي سقطي – رحمه الله – حياته مربّيًا، لا بالوظيفة فقط، بل بالفعل اليومي، وبالقدوة، وبمشروع تربوي سبق زمنه.

لم يكن التعليم لديه مهنة تنتهي بالتقاعد، ولا كتابًا يُطبع ثم يُنسى، بل كان رسالة متكاملة بدأت من البيت، واتسعت للأسرة، ثم للمجتمع.

المربي الذي بدأ من بيته
لم يكن إشراك الأسرة في مشروعه التربوي فكرة تنظيرية أو بندًا في خطة، بل كان جوهر إيمانه. بل كان هو نفسه النموذج الحي لما يدعو إليه.
حوّل منزل العائلة إلى مركز إشعاع تربوي، جمع فيه أبناءه وبناته:
سلطان، ريان، سوزان، سهير، سماح، وأفنان،
وشارك معهم الأحفاد والحفيدات، وامتد الأثر ليشمل العائلة والجيران.
كان البيت مساحة تعلّم، وحوار، وتجريب، وممارسة حقيقية للتربية، حيث يكتب الطفل، ويلعب، ويتكلم، ويتعلم القيم، لا كدروس منفصلة، بل كحياة تُعاش.
ثلاثون عامًا… ثم تبدأ الرسالة
أمضى سعيد سقطي أكثر من ثلاثين عامًا في التعليم الابتدائي بمكة المكرمة. خلال هذه العقود، تشكلت لديه رؤية تربوية ناضجة، نابعة من معايشة الواقع، ومعاناة تعليم الناشئة، خاصة في مهارات الكتابة والخط.
وبعد التقاعد، لم يتوقف عطاؤه، بل تحرر من الإطار الرسمي، وبدأ مشروعه الحقيقي:
«رسالة الأسرة العربية»، ضمن ما أسماه برنامج المجموعة الذهبية.

«فن القلم»… الحلم الذي انتظر عشرين عامًا
كان كتاب «فن القلم» هو حجر الأساس، لا لأنه كتاب فحسب، بل لأنه بداية مشروع طويل الحلم.

وفي شهادة تربوية موثقة، كتب الأستاذ المربي الفاضل محمد أحمد الحساني في مقدمة الكتاب:
بعد الصلاة على النبي ﷺ، إن الزميل المربي القدير الأستاذ سعيد سقطي ظل يحمل حلمًا بإنجاز كتب تعليمية بسيطة وميسّرة موجهة للأطفال من مختلف الأعمار.
مستعينًا بالله، وبالصبر والإصرار، وحسن النية، شدّ العزم على تكملة المشوار، وظل يحمل هذا الحلم مدة تزيد على عشرين عامًا، ولم يكن يدع مناسبة أو لقاءً إلا واغتنمها للحديث عن أفكاره الجيدة حول هذا الأمر.
واليوم نراه يخرج لفلذات الأكباد الكتاب التعليمي المصور الذي أسماه «فن القلم»، وقد وجدنا فيه جهدًا مميزًا وتوفيقًا في اختيار المادة، والتدرج الطبيعي في العرض للأطفال دون سن الدراسة النظامية.
فهنيئًا للأستاذ السقطي بهذه الثمرة الطيبة، آملين أن يحظى إصداره بما يستحقه من نجاح وانتشار، والله ولي التوفيق.
أما في مقدمة الكتاب نفسها، فقد كتب سعيد سقطي – مذيّلًا إياها بتوقيع «أبو سوزان» – كلمات تلخص جوهر رسالته:
إن إصدار هذا الكتاب محاولة متواضعة جاءت من واقع مرير لمسته خلال أكثر من ثلاثين عامًا في تعليم مكة المكرمة، وما عانيته في تعليم الناشئة الصغار من سوء الخط، لعدم وجود برامج مقننة أو دليل لتعليم الخط بالطريقة الصحيحة.
وقد ألهمني الله بعض المبادئ الأولية لتدريب مهارة اليد وترسيخها في مراحلها الأولى بأسلوب مبسط، وأسأل الله الأجر والثواب، وأن يكتب مثله في صحيفة والدي ووالدتي.
مشروع متكامل… لا كتاب واحد

لم يكن «فن القلم» هو الغاية، بل الأساس. فقد تفرعت عنه أجنحة مشروع رسالة الأسرة العربية، التي نظرت إلى الطفل نظرة شمولية، كما ينظر الصقر إلى المشهد كاملًا، لا إلى جزء منه.
ومن هذه الأجنحة:
- فن القلم: لتدريب مهارة اليد وبناء الخط العربي.
- فن اللعب: لربط التعلم باللعب والتجربة.
- فن الكلام للأطفال: لتنمية التعبير والثقة اللغوية.
- مغامرات أفنان وسلطان:
- الجزء الأول: الحروف الهجائية
- الجزء الثاني: صوت الحرف
- سلوك الطفل المسلم في التربية الإسلامية.
- أرض الإسلام والسلام في التربية الوطنية.
هذه المنظومة لم تكن مواد متفرقة، بل رسالة واحدة تبني الإنسان: يدًا، وعقلًا، ولسانًا، وقيمًا، وهوية.
من الفكرة إلى الكيان
وفي زمن لم تكن فيه أدوات التصميم متاحة، جاء المشروع يدويًا، عائليًا، واقعيًا. ومن هنا تأسست قرطاسية فن القلم، لتمنح المشروع كيانًا ملموسًا، وتخرجه من الإطار النظري إلى الفعل اليومي.

ذلك العمل الجماعي منح المشروع روحًا إنسانية عائلية ممتدة، وجعل أثره أعمق من كتاب، وأبقى من برنامج.
شهادة إنسانية من داخل البيت

ومن أصدق ما كُتب عن خالي، شهادة الأستاذ الدكتور أنس دبلول، الذي كتب عنه بصفته صهره وأحد أقرب الناس إليه، واصفًا علاقة تجاوزت النسب إلى الفكر، ومربيًا كان أبًا وقدوة، وأحسن الله خاتمته بوفاة مباركة في أيامٍ فاضلة، صُلّي عليه في الحرم، ودُفن في المعلاة بجوار أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها.
الامتداد في الأبناء

ومن ثمار هذا البيت التربوي، ابنته الأستاذة سهير بنت سعيد سقطي، المحاضِرة بجامعة أم القرى، والوكيلة السابقة لقسم الإبداع والابتكار بمعهد الابتكار وريادة الأعمال، وناشطة في المشاركة المجتمعية، ومن مشاركاتها تمثيل المعهد في فعاليات اليوم الخليجي و الأسبوع الوطني للموهبة والإبداع 2020.
خاتمة
لم يكن سعيد محمد مكي سقطي – رحمه الله – مؤلف كتاب، بل صاحب رسالة.
ولم يكن مشروعه فكرة، بل حياة عاشت في بيت، وتربّت في أسرة، وامتدت أثرًا في أجيال.
رحم الله خالي سعيد محمد مكي سقطي، وبارك في ذريته، وجعل إرثه التربوي علمًا نافعًا، وذكرًا حسنًا، وتاريخًا يليق بأن يُروى