تعد ظاهرة التسول من الظواهر الاجتماعية المعقدة التي تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، وهي لا تمثل مجرد ممارسة فردية للحصول على المال، بل تعكس في كثير من الأحيان اختلالات في منظومة الحماية الاجتماعية أو استغلالاً منظماً من قبل شبكات جرمية. في سياق العمل على تصميم مبادرة وطنية لمحاربة هذه الظاهرة، تبرز الحاجة إلى تبني منهجية علمية تبدأ من تحديد الفئات المستهدفة بدقة وترتيب أولويات التدخل بناءً على معايير واقعية تضمن تحقيق أقصى أثر ممكن. إن المنهجية المتبعة في هذا التقرير تستند إلى أطر تدريبية معتمدة، مثل نشاط “رواد الأثر التطوعي” الذي يضع خارطة طريق واضحة تبدأ بمراجعة الاحتياج المجتمعي، مروراً بتحديد الفئات المتأثرة، ووصولاً إلى اختيار الفئة المستهدفة بناءً على مصفوفة معايير تشمل شدة الاحتياج، التأثير المتوقع، وسهولة الوصول.
المنهجية التصميمية للمبادرة: تحديد الفئة المستهدفة وأولويات التدخل
يتطلب تصميم المبادرات المجتمعية الفعالة اتباع خطوات منهجية تضمن مواءمة الموارد المتاحة مع الاحتياجات الفعلية للميدان. استناداً إلى الأنشطة التدريبية المتخصصة في بناء الأثر التطوعي، فإن عملية تحديد الفئة المستهدفة تمر بأربع مراحل أساسية تهدف إلى ترتيب أولويات التدخل بصورة واقعية. تبدأ هذه العملية بمراجعة الاحتياج المجتمعي الذي تم تحديده مسبقاً، ثم تحديد الفئات المحتملة المتأثرة بهذا الاحتياج، ومناقشة هذه الفئات وفق معايير الأولوية، وأخيراً اختيار فئة مستهدفة واحدة لتركيز جهود المبادرة عليها.
تعتمد هذه المنهجية على مصفوفة تحليلية تقيس ثلاثة معايير جوهرية لكل فئة محتملة، وهي شدة الاحتياج التي تعبر عن مدى إلحاح المشكلة للفئة، والتأثير المتوقع الذي يقيس حجم التغيير الإيجابي الذي ستحدثه المبادرة، وسهولة الوصول التي تقيم الإمكانيات اللوجستية والقانونية للوصول إلى هذه الفئة وتقديم الخدمة لها. إن تطبيق هذه المصفوفة على ظاهرة التسول يساعد في التمييز بين المتسولين بدافع الحاجة الفعلية وبين ممتهني التسول الذين يتخذونه حرفة، مما يوجه المبادرة نحو المسار الصحيح سواء كان علاجياً أو وقائياً أو تأهيلياً.
| الفئة المحتملة | شدة الاحتياج | التأثير المتوقع | سهولة الوصول | أولوية التدخل |
| الأطفال المتسولون (ضحايا الاستغلال) | عالية جداً | مرتفع (حماية وتأهيل) | متوسطة (تطلب تدخل أمني) | أولوية قصوى |
| الأسر السعودية المحتاجة (تسول طارئ) | عالية | مرتفع (تمكين واستغناء) | سهلة (عبر الضمان) | أولوية عالية |
| المتسولون الوافدون (شبكات منظمة) | منخفضة (كحاجة) | منخفض (إجراء قانوني) | صعبة (تخفي وتحرك) | أولوية قانونية |
| ذوو الإعاقة وكبار السن | عالية جداً | مرتفع (رعاية صحية) | سهلة (عبر الجمعيات) | أولوية إنسانية |
إن اختيار الفئة المستهدفة لا يعني تجاهل الفئات الأخرى، بل يعني تخصيص الموارد لضمان فاعلية التدخل في مرحلة معينة من عمر المبادرة. فعلى سبيل المثال، إذا تم اختيار “الأطفال المتسولين” كفئة مستهدفة، فإن المبادرة ستتركز حول حماية الطفل، وتفعيل نظام حماية الطفل، والتنسيق مع الجهات الأمنية والاجتماعية لانتزاع هؤلاء الأطفال من بيئات الاستغلال وإعادتهم إلى مقاعد الدراسة.
الإطار النظامي والتشريعي لمكافحة التسول في المملكة العربية السعودية
تستند أي مبادرة وطنية لمكافحة التسول إلى “نظام مكافحة التسول” الجديد واللائحة التنفيذية الخاصة به، والتي تمثل المرجعية القانونية لتعريف الظاهرة وتحديد العقوبات والمسؤوليات. يفرق النظام بشكل دقيق بين المتسول وممتهن التسول، حيث يعرف المتسول بأنه كل من يستجدي للحصول على مال غيره دون مقابل أو بمقابل غير مقصود بذاته، سواء كان ذلك نقداً أو عيناً، وبطرق مباشرة أو غير مباشرة، وفي الأماكن العامة أو المحال الخاصة أو عبر وسائل التقنية الحديثة.
أما ممتهن التسول، فهو كل من قبض عليه يمارس التسول للمرة الثانية أو أكثر، وهنا يشدد النظام العقوبات لتتحول من إجراءات اجتماعية إلى عقوبات جزائية. يهدف النظام إلى حظر التسول بكافة صوره وأشكاله مهما كانت مسوغاته، ويمنح وزارة الداخلية اختصاص القبض على المتسولين، بينما تضطلع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بمسؤولية التنسيق مع الجهات ذات العلاقة لدراسة الحالة الاجتماعية والصحية والنفسية والاقتصادية للمتسولين السعوديين.
العقوبات والإجراءات النظامية
يضع النظام عقوبات رادعة تهدف إلى تجفيف منابع الظاهرة، خاصة تلك التي تدار من قبل جماعات منظمة. وتتدرج العقوبات بناءً على نوع الجرم وحالة التكرار، وهو ما يجب أن تأخذه المبادرة في الحسبان عند توجيه رسائلها التوعوية.
| نوع المخالفة | العقوبة المقررة | ملاحظات إضافية |
| امتهان التسول أو التحريض عليه | سجن حتى 6 أشهر أو غرامة حتى 50 ألف ريال | أو بهما معاً |
| التسول ضمن جماعة منظمة | سجن حتى سنة أو غرامة حتى 100 ألف ريال | تشديد العقوبة للإدارة والاتفاق |
| تكرار فعل التسول | مضاعفة العقوبة المقررة | للردع من العودة للظاهرة |
| الحصول على أموال من التسول | مصادرة الأموال بحكم قضائي | مع مراعاة حقوق حسني النية |
إن النظام لا يكتفي بالعقاب، بل يركز على “الرعاية اللاحقة” التي تعرف بأنها المساعدة والمتابعة المنتظمة الرسمية أو غير الرسمية، والتي تقدم للمستفيد بوصفها أسلوباً مكملاً ومسانداً لخطط العلاج والتمكين، من أجل تقويم سلوكه ودمجه في المجتمع. هذا الجانب يمثل جوهر المبادرات الاجتماعية التي تهدف إلى إيجاد حلول مستدامة بدلاً من مجرد ملاحقة المتسولين ميدانياً.
التحليل الديموغرافي والجغرافي لظاهرة التسول
يتطلب تصميم المبادرة فهماً عميقاً لأماكن تمركز الظاهرة ونسب انتشارها. تشير الإحصاءات والدراسات الميدانية في المملكة إلى أن مدن الحواضر الكبرى والمناطق المقدسة هي الأكثر جذباً للمتسولين نظراً للكثافة البشرية وفرص الحصول على المال. سجلت مدينة جدة أعلى شريحة من المتسولين المقبوض عليهم بنسبة 33%، تليها مكة المكرمة بنسبة 25.3%، ثم الرياض بنسبة 19.4%، والمدينة المنورة بنسبة 16.5%، بينما كانت الدمام الأقل بنسبة 4%.
هذه البيانات تعطي مؤشراً واضحاً للمبادرة حول ضرورة تكثيف الجهود في منطقة مكة المكرمة (جدة ومكة)، خاصة في المواسم الدينية مثل الحج ورمضان. ففي مكة المكرمة، يتداخل التسول مع موسم الحج الذي يشهد توافد ملايين الحجاج من مختلف الجنسيات. إن وجود أعداد كبيرة من القوى العاملة والمتطوعين في الحج يمثل فرصة للمبادرة لإشراكهم في جهود الرصد والتوعية.
أماكن تنشط فيها الظاهرة
يجب أن تركز المبادرة في جانبها الميداني والتوعوي على النقاط الساخنة التي يتواجد فيها المتسولون بكثرة، وهي:
- المراكز الصحية والدينية والمساجد الكبرى.
- الأسواق والمراكز التجارية والجسور العامة.
- مواقف السيارات وإشارات المرور وتقاطعات الطرق.
- الأماكن السياحية والأثرية.
إن التسول في هذه الأماكن لا يأخذ شكلاً واحداً، بل يتنوع بين “تسول ظاهر” بمد اليد مباشرة، و”تسول غير ظاهر” أو مبطن عبر بيع سلع بسيطة كمناديل الورق أو مسح زجاج السيارات في الشوارع كغطاء لطلب المال.
الجوانب السوسيولوجية والنفسية: الدوافع والآثار
لفهم ظاهرة التسول بشكل أعمق، يجب تحليلها من منظور علم الاجتماع والنفس. تشير الدراسات إلى وجود علاقة طردية بين ارتفاع معدلات الفقر ولجوء الفئات الضعيفة للشارع. ومع ذلك، فإن الفقر ليس السبب الوحيد، حيث تبرز “نظرية التفكك الاجتماعي” كعامل مفسر، إذ يؤدي ضعف الروابط الأسرية وغياب المعيل أو تفكك الأسرة إلى دفع الأبناء والنساء لممارسة التسول كوسيلة للبقاء.
الدوافع الذاتية والموضوعية
تتعدد الأسباب التي تدفع الفرد للتسول، ويمكن تصنيفها إلى:
- أسباب ذاتية: تشمل العجز الجسدي، العاهات الطبيعية أو المصطنعة التي تستخدم لاستدرار العطف، والاضطرابات النفسية والحرمان العاطفي.
- أسباب موضوعية: تشمل تدني المستوى التعليمي، البطالة، الفراغ غير المستغل، والظروف الاقتصادية الضاغطة التي تفرزها الأزمات.
- عوامل اجتماعية: المعاملة السيئة داخل الأسرة، التنشئة غير السليمة، والقدوة السيئة التي قد تمثلها جماعات الرفاق الجانحة.
إن التسول يترك آثاراً نفسية واجتماعية عميقة، فهو يؤدي إلى تشويه مفهوم الذات لدى المتسول، ويجعله يعتاد على الكسب السهل دون مجهود، مما يقتل روح المبادرة والعمل لديه. كما أن التسول يمثل انحرافاً سلوكياً قد يكون بوابة لجرائم أخرى مثل السرقة، تجارة الممنوعات، أو الانخراط في أعمال غير مشروعة تحت ستار التسول.
تصميم التدخلات العلاجية والتأهيلية: نموذج وزارة الموارد البشرية
عند تصميم مبادرة لمكافحة التسول، يجب التكامل مع الجهود الحكومية القائمة. تقدم وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية نموذجاً متكاملاً للتعامل مع المتسول السعودي المقبوض عليه، يشمل الخطوات التالية:
- الاستضافة والبحث: يتم استضافة المتسول في مراكز مخصصة وبحث حالته من كافة الجوانب (اجتماعياً، اقتصادياً، نفسياً، وصحياً).
- تقديم الخدمات: توفير الدعم اللازم حسب احتياج الحالة، سواء كان ذلك عبر صرف إعانات مالية من الضمان الاجتماعي، أو تقديم الرعاية الصحية والنفسية.
- التأهيل والتمكين: إرشاد المتسولين للاستفادة من الخدمات التي تقدمها الجهات الحكومية والخيرية، ومتابعتهم عبر الرعاية اللاحقة لضمان عدم العودة للشارع.
- دمج ذوي الإعاقة: توفير خدمات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة من المتسولين، وصرف الإعانات المقررة لهم، وتوفير الأجهزة التعويضية إذا لزم الأمر.
تعتمد المبادرة في هذا الجانب على منصات التمكين الرقمية، مثل “منصة تمكين” التي تهدف إلى تحويل مستفيدي الضمان الاجتماعي من متلقين للدعم إلى منتجين منخرطين في سوق العمل. وقد نجحت هذه الجهود في تمكين آلاف المستفيدين وتوظيفهم في القطاع الخاص أو عبر برامج العمل عن بعد.
الأطفال المتسولون: بين الجريمة والضحية
يمثل الأطفال الفئة الأكثر حرجاً في ظاهرة التسول، وغالباً ما يتم التعامل معهم كضحايا للاستغلال من قبل البالغين أو العصابات المنظمة. تشير التقارير إلى أن استغلال الأطفال في التسول يحرمهم من حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة والبيئة الآمنة.
آليات حماية الأطفال
تتضمن المبادرة المصممة لمحاربة تسول الأطفال محاور عمل رئيسية:
- تفعيل نظام حماية الطفل: الذي يجرم كافة أشكال الإساءة للطفل أو استغلاله في أعمال غير مشروعة، ويعتبر التسول نوعاً من أنواع الإيذاء.
- التعامل مع الأطفال غير السعوديين: تنص الأنظمة على أن جميع الأطفال، بغض النظر عن جنسيتهم أو نظامية إقامتهم، حقوقهم مصانة، وتتم دراسة حالاتهم وتقديم الخدمات اللازمة لهم.
- مكافحة الاتجار بالأشخاص: الربط بين تسول الأطفال وجرائم الاتجار بالبشر، خاصة في حالات العمل القسري أو الاستغلال الجنسي المصاحب للتسول.
- التوعية بمخاطر “المتسول النائم”: التنبيه على خطورة استخدام الرضع وتخديرهم ليظهروا نائمين بشكل دائم على أكتاف المتسولات لاستمالة عطف الناس.
دور القطاع الثالث والجمعيات الأهلية في مكة المكرمة
تعتبر الجمعيات الخيرية شريكاً استراتيجياً في أي مبادرة لمكافحة التسول، خاصة في مدينة مثل مكة المكرمة. تمتلك هذه الجمعيات قواعد بيانات واسعة عن الأسر المحتاجة، مما يساعد في الوصول للمستحقين الفعليين قبل لجوئهم للتسول.
| الجمعية | الدور والهدف الاستراتيجي | نوع المساعدات المقدمة |
| جمعية البر بمكة المكرمة | تحسين المستوى المعيشي وتأهيل الأسر للاعتماد على النفس | مساعدات مادية وعينية، تدريب وتأهيل لسوق العمل، كفالات أيتام. |
| جمعية المودة | دعم الأسر ذات الدخل المحدود وتوفير حلول الإسكان | دفع الإيجارات وفواتير الكهرباء، منح دراسية، ورش عمل مهنية للنساء والشباب. |
| جمعية الإحسان والتكافل الاجتماعي | الريادة في العمل الخيري وخدمة فقراء الحرم والحجاج | تنفيذ برامج موسمية (رمضان والحج)، مساعدات طارئة، تمكين المستفيدين. |
| جمعية تمكين الخيرية | نقل الأفراد من الاحتياج إلى القدرة عبر برامج تنموية | تأهيل أمهات الأيتام، برامج كفالة شاملة، دعم المشاريع الصغيرة. |
تساهم هذه الجمعيات في “توجيه الصدقات” بعيداً عن المتسولين في الشوارع، وضمان وصولها لمن تنطبق عليهم شروط الاستحقاق الشرعية والنظامية. كما تلعب دوراً حيوياً في “الإسكان التنموي” بالتعاون مع وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، لتوفير وحدات سكنية للأسر الأكثر احتياجاً، مما يقلل من دوافع التسول المرتبطة بالتشرد.
مبادرات التوعية والوقاية: “لا تعطهم” كنموذج
تعتبر التوعية المجتمعية السلاح الأقوى لقطع الطريق على ممتهني التسول. تهدف المبادرات التوعوية إلى تصحيح المفاهيم الخاطئة التي تدفع الناس لإعطاء المال للمتسولين في الشوارع بدافع العاطفة الدينية أو الإنسانية.
- مبادرة “معاً نكافح التسول”: تركز على تعزيز الأمن المجتمعي وتشجيع المواطنين والمقيمين على الإبلاغ عن حالات التسول عبر القنوات الرسمية (911 أو 999).
- منصة “إحسان” الوطنية: تمثل البديل التقني الآمن والموثوق لتوجيه التبرعات والصدقات، حيث تضمن المنصة وصول المبالغ لمستحقيها عبر دراسات حالة دقيقة، مما يغني المحتاج عن السؤال ويحرم الممتهن من الكسب غير المشروع.
- حملات المواسم: تكثيف الرسائل التوعوية في شهر رمضان وموسم الحج، حيث تنشط ظاهرة التسول بشكل استثنائي.
تؤكد هذه المبادرات على أن “التعاطف مع المتسولين يشجع على المزيد من التسول”، وأن الكثير من هؤلاء ينتمون لعصابات منظمة تتخذ التسول كعمل بدوام كامل، وقد يجمعون مبالغ طائلة تفوق ما يحصل عليه الموظفون النظاميون.
نماذج عالمية وإقليمية في دمج وتأهيل المتسولين
يمكن للمبادرة الاستفادة من تجارب ناجحة لدول استطاعت تقليص الظاهرة عبر حلول مبتكرة:
- التجربة الماليزية: اعتمدت على مرافق خاصة للرعاية والتأهيل تديرها وزارة المرأة والأسرة، تهدف إلى تحقيق “صفر تشرد وتسول” عبر احتجاز المعوزين وتقديم برامج تعليمية ومهنية لهم.
- التجربة الهندية: ركزت على تحويل المتسولين إلى أفراد منتجين عبر منحهم أراضي زراعية لاستثمارها، ودمج التعليم الصناعي والزراعي في مراكز الاستقبال.
- دمج ذوي الإعاقة: تتبنى بعض الممارسات العالمية تقديم منح لأصحاب العمل تصل إلى 80% من الأجر عند توظيف الأشخاص ذوي الإعاقة الشديدة، مع توفير ورش عمل خاصة لمن لا يستطيعون العمل في السوق العام.
هذه النماذج تؤكد على أهمية “التمكين الاقتصادي” كحل نهائي للظاهرة، وهو ما يتماشى مع برامج التوطين والتوظيف في رؤية المملكة 2030.
دمج العمل التطوعي في مبادرة مكافحة التسول
تعتمد المبادرة في تنفيذها الميداني على قوة العمل التطوعي، مع ضرورة تأهيل المتطوعين للتعامل مع هذه الحالات الحساسة. يمكن توزيع المهام التطوعية وفق التخصصات التالية:
- التطوع التوعوي: تصميم ونشر محتوى رقمي تعليمي حول مخاطر التسول وأهمية التبرع عبر المنصات الرسمية.
- التطوع البحثي: مساعدة الباحثين الاجتماعيين في دراسة حالات الأسر في الأحياء الفقيرة لتحديد من هم في خطر الوقوع في دائرة التسول.
- التطوع التعليمي: تقديم دروس تقوية لأطفال الأسر المحتاجة لمنع تسربهم الدراسي.
- التطوع الميداني: المشاركة في فرق الإرشاد والتوجيه التي تعمل في الأماكن المقدسة لتوجيه التائهين أو المحتاجين للجهات الخدمية بدلاً من لجوئهم للسؤال.
يجب أن يتحلى المتطوع في هذا المجال بالصبر، وروح التعاون، والصدق، والالتزام بالمواعيد، والقدرة على التعامل مع الفئات الضعيفة بكرامة وإنسانية.
التحديات والآفاق المستقبلية للمبادرة
تواجه المبادرات الحالية عدة تحديات تتطلب حلولاً تقنية وتنظيمية متطورة:
- التسول الإلكتروني: وهو استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لطلب المال عبر قصص وهمية أو وثائق مزورة، مما يتطلب رقابة تقنية صارمة وتوعية قانونية للمستخدمين.
- التخفي تحت ستار التجارة: مثل بائعي المناديل أو الماء عند الإشارات، مما يجعل من الصعب التمييز بين البائع المحتاج وبين المتسول الممتهن.
- الشبكات العابرة للحدود: المتسللون الذين يدخلون المملكة لممارسة التسول في المواسم، مما يتطلب تنسيقاً أمنياً رفيع المستوى.
تشير التوقعات المستقبلية إلى أن المملكة تسير نحو “تصفير التسول” عبر تكامل الأنظمة، حيث أصبحت الشوارع السعودية اليوم تخلو بشكل كبير من المظاهر التي كانت منتشرة سابقاً. إن استدامة هذا النجاح تعتمد على استمرار الدعم السخي للقطاع غير الربحي وتطوير آليات الرعاية اللاحقة لضمان عدم عودة أي متعافٍ إلى الشارع مرة أخرى.
ختاماً، إن تصميم مبادرة لمحاربة التسول ليس مجرد مشروع أمني أو خيري، بل هو استثمار اجتماعي يهدف إلى حماية كرامة الإنسان وتوجيه موارد المجتمع نحو مسارات التنمية والبناء. إن الالتزام بالمنهجية العلمية في تحديد الفئات والأولويات، والتقيد بالأنظمة واللوائح، وتفعيل الشراكة مع الجمعيات الأهلية، هي الركائز التي ستضمن لهذه المبادرة تحقيق أهدافها السامية في بناء مجتمع متكافل ومنتج.