د. عبير علي الجربوع منقول من مقالات مبادرة المنصة الثقافية
كثير من الأشياء المهمة في الحياة لا يمكن قياسها، كالفن والجمال والوعي والسعادة. بل ربما أن الأشياء الأهم هي الأشياء التي لا يمكن قياسها.
يقال إن “ما لا يقاس، لا يمكن تحسينه”، أي أن عدم وجود معايير لشيء ما يجعلنا لا نتمكن من إدراكه، ومن ثم لا يمكننا تحسينه. فهل يندرج الأثر الثقافي تحت هذه المقولة؟ وهل الأثر الثقافي صعب القياس؟
يحاول المقال الحديث عن قياس الأثر الثقافي في الثقافة السعودية اعتمادًا على ما ورد في تقرير الحالة الثقافية. ففي نسخته السادسة، جاء تقرير الحالة الثقافية 2024م بعنوان “الأثر الثقافي”، في سياق رصد للواقع الثقافي وأثره؛ محاولة لرسم ملامح المرحلة التي تتقاطع فيها ملامح استقرار القطاع الثقافي وتطلعاته المستقبلية. إذ لم تعد الثقافة نشاطا هامشيا، بل أصبحت ركيزة أساسية في بناء الهوية والاقتصاد السعودي.
ويأتي عنوان التقرير لهذا العام متسقا مع عناوين التقارير السابقة، وتدرجا طبيعيا لها، فقد كانت العناوين السابقة على النحو الآتي:
تقرير عام 2019: “حالة الثقافة في المملكة العربية السعودية”
تقرير عام 2020: “رقمنة الثقافة”
تقرير عام 2021م: “الثقافة في الفضاء العام”
عنوان تقرير عام 2022م: “الاستثمار في القطاع الثقافي”
عنوان تقرير عام 2023م: “الاستدامة في القطاع الثقافي”
فيكون عنوان التقرير هذه السنة استكمالا للدور الذي اضطلع به التقرير خلال الأعوام الخمسة الماضية في توثيق حالة القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية ورصد تحولاته واتجاهاته.
الأثر الثقافي: المفهوم والتحديات
يحاول التقرير تقديم إطار وطني شامل لفهم وقياس الأثر الثقافي في المملكة، بوصفه الهدف النهائي للعمل الثقافي، والمعبّر عن تحوّل الثقافة من نشاط إلى وعي، ومن ممارسة إلى قيمة مجتمعية واقتصادية وإنسانية. لكن هل يمكن أن يقاس الأثر الثقافي على الفرد أو المجتمع؟ وهل يمكن تحديد مقدار التغيير الذي أحدثته الثقافة على مستويات عدة؟
قد يسهل قياس عدد الفعاليات والأحداث الثقافية ونوعها وحجمها وعدد زوارها، لكن هل يمكن الاكتفاء بذلك؟ هل يكفي إيراد الأرقام دون دراسة التحول الفعلي الذي تحدثه الثقافة، سواء في الوعي أو في طريقة التفكير أو في الذائقة أو في السلوك أو في الهوية أو في الانتماء أو في الإبداع؟
الحقيقة أن المؤشرات الكمية هي مقياس مهم، لكنها ليست المقياس الأهم. ولا المقياس الصحيح. فكما أننا لا يمكن أن نقيس الجمال ولا الفكر ولا الوعي بالأرقام، كذلك لا يمكننا قياس الأثر الثقافي. فالاكتفاء بالمؤشرات الكمية هو اختزال لمفهوم الأثر وتضييق له، ولا يمكن أن يمثل قراءة مكتملة للتجربة الثقافية، إذ إن الهدف ليس اختزال الثقافة في الأرقام، بل استخدام الأرقام لتأكيد قيمة التجربة الثقافية وأثرها.
تعريف الأثر الثقافي وصعوبات القياس
وبالعودة إلى مفهوم “الأثر الثقافي”، يصعب الاتفاق على مفهوم محدد له؛ لتنوع المناهج والتجارب والاتجاهات في تقييم الأثر الثقافي. ويعرّف التقرير مفهوم الأثر الثقافي بأنه “التغييرات التي تطرأ على الأفراد أو المجتمعات، أو البيئات نتيجة تدخل، أو سياسة معينة، سواء كانت هذه التغييرات مقصودة أو غير مقصودة، مباشرة أو غير مباشرة”. ويلحظ من هذا التعريف أن هذه التغييرات التي تسببها الثقافة تمتد لتشمل أشياء كثيرة: المعايير، والقيم، والمعتقدات، والممارسات، وطريقة المعيشة، والعمل، والتواصل الاجتماعي، وغيره.
وبناء على التعريف تتضح الصعوبة التي تكتنف عملية قياس الأثر الثقافي، إذ يتضمن تغيرات داخلية في الوعي والقيم والتصورات والشعور بالانتماء، بالإضافة إلى أن الكثير من الانعكاسات الثقافية تظهر بعد سنوات، إن لم يكن بعد أجيال.
كما تنبع صعوبة أخرى حينما ندرك أن طبيعة الثقافة متغيرة، ومستمرة، لا يمكن لها أن تتوقف في مكان يمكن قياسه. بالإضافة إلى أن للثقافة أنماطا وأشكالا كثيرة ومتنوعة، يصعب تحديد الفاصل بينها، لا سيما مع الامتداد الكبير للمملكة العربية السعودية. فضلا عن الصعوبات التي تتعلق بطبيعة الثقافة نفسها بوصفها موضوعا صعبا للقياس.
أدوات ومعايير القياس
تتطلب عمليات قياس الأثر أدوات دقيقة ترصد حجم تنفيذ المبادرات، وجودة المخرجات ومدى الالتزام بمؤشراتها. ومن ذلك، تتأكد الحاجة إلى تطوير أدوات منهجية قادرة على قياس أثر الثقافة، والإلمام بكافة أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والرمزية.
وفي محاولة لوضع معايير لقياس الأثر الثقافي، هناك عدد من المقترحات لأدوات يمكن استخدامها للمساعدة في تحديد هذه المعايير، مثل الاستبيانات والمقابلات والملاحظة الميدانية وتحليل المحتوى والمؤشرات الاجتماعية والنفسية، علما بأن كل هذه الأدوات تشكل قياسا نسبيا يمكن أن يكون تمهيدا لقياس الأثر الحقيقي.
بالإضافة إلى أهمية الدراسة بالمقارنة، سواء مقارنة المجتمع الحالي بالمجتمع السابق في الجوانب التي يمكن أن تكون متأثرة بالثقافة، أو مقارنة المجتمع الحالي بمجتمع آخر في منطقة أخرى.
مستويات الأثر الثقافي
وعند دراسة الأثر الثقافي يجب أن تشمل الدراسة مستويات الأثر الثقافي كافة، أي الآثار المباشرة وغير المباشرة، سواء بدراسة الأثر الاقتصادي المباشر الذي تحققه الثقافة، ويشمل ذلك المردود المادي، وتوليد الوظائف، وتنشيط السياحة. أم بدراسة الأثر غير المباشر، الذي يمتد إلى قطاعات أخرى مثل التعليم، والسياحة، والإعلام، والابتكار. أم حتى بدراسة الأثر الرمزي والاجتماعي، وهو الأثر الأوسع والأعمق والأطول مدى، ويتمثل هذا الأثر في تعزيز الهوية والانتماء والاعتزاز الوطني، وتنمية القيم الجمالية، وتحسين جودة الحياة.
نحو منظومة وطنية للأثر الثقافي
ويشير التقرير إلى أن الانتقال من الفعل الثقافي إلى قياس أثره يُعد علامة على نضج القطاع الثقافي، فلا يمكن تطوير السياسات الثقافية أو قياس نجاح المبادرات أو تحسين جودة الحياة الثقافية ورفع مستويات الأداء الثقافي دون أدوات قياس دقيقة وموضوعية.
فالقياس ليس غاية بحد ذاته، بل هو وسيلة لفهم كيف تغيّر الثقافة حياة الأفراد والمجتمع. إذ إن الوعي بالأثر هو جوهر التنمية الثقافية.
ويقترح التقرير إنشاء منظومة وطنية لإدارة الأثر الثقافي تعتمد على ثلاثة مكونات رئيسة: الملاحظة والرصد، والتحليل والتفسير، والتغذية الراجعة. ويوصي التقرير بإنشاء مرصد وطني للأثر الثقافي يعمل بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحوث والهيئات الثقافية. وألا يقتصر دور هذه المنظومة على القياس، بل يمتد إلى التخطيط المستدام، والتقييم الدوري، والتعلم والتحسين، وهذا ما يتوافق مع رؤية المملكة في التوجيه والتقييم والتطوير.
ويدعو التقرير لبناء أدوات قياس تستوعب الحسّ والمعنى، لا الأداء والإنتاج فقط. وأن يكون قياس الأثر الثقافي في السعودية جزءا من مشروع معرفي وطني يعيد تعريف علاقة الفرد بالثقافة والخيال والإبداع.
ختاما، قد يصعب قياس بعض الأشياء، لكن محاولة القياس ووضع المعايير سيبني إدراكا لمفهوم الأثر الثقافي، وهذا الإدراك سيساعد بالتأكيد في القياس والتطوير. إذ يشدد التقرير على أن المرحلة المقبلة في العمل الثقافي السعودي هي مرحلة الوعي بالأثر، أي الانتقال من الفعل إلى الفهم، ومن المبادرة إلى التقييم، ومن الإنتاج إلى التحليل. وأن الأثر الثقافي الحقيقي لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بما يخلّفه من وعي ومعرفة وإلهام في حياة الناس. فالثقافة فعل حياة قبل أن تكون مؤشرا في تقرير، وهي من أعظم الاستثمارات الوطنية في المستقبل