ترجمة : غدي الغامدي
منقول من منصة معنى
في عصر الدوائر المتكاملة، امتلاك النساء لغة مشتركة هو حلم ساخر.
هذا الفصل يسعى إلى بناء خرافة سياسية ساخرة، تكون وفية للنسوية، والاشتراكية، والمادية. مقارنةً بالعبادة والولاء الجاد، فإن هذا العمل -بوصفه تدنيسًا- أكثر إخلاصًا لهذه التيارات الفكرية. يبدو أن التدنيس دائمًا ما يطلب منا أن نأخذ الأمور على محمل الجد. في التقاليد الدينية العلمانية والإنجيلية للسياسة الأمريكية (بما فيها النسوية الاشتراكية)، لا أجد موقعًا أفضل أبدأ منه. التدنيس يحمينا من التأثيرات السائدة للأخلاق في هذه التقاليد، وفي نفس الوقت يلتزم بحاجة المجتمع. التدنيس ليس تمردًا. السخرية تتعلق بتلك التناقضات التي لا يمكن حلها عن طريق دمجها في إطار شامل أكبر –حتى وإن كان الدمج جدليًّا– كما تتعلق بالتوتر الناتج عن جمع أشياء غير متوافقة؛ لأنها جميعًا ضرورية وصحيحة. السخرية أيضًا تتضمن الفكاهة واللعب الجاد. إنها استراتيجية بلاغية وأداة سياسية، وهي استراتيجية أتمنى أن تحظى بمزيد من الاحترام في النسوية الاشتراكية. في معتقداتي الساخرة، أو في تدنيسي، يتصدر صورة “”السايبورغ” (cyborg) (كلمة “سايبورغ” تتكون من “السيبرنتيكا” (علم التحكم) و”الكائن الحي”، وتعني: الكائن نصف الميكانيكي).
السايبورغ هو كائن حي ينتمي إلى علم التحكم الآلي، وهو مزيج من الآلات والكائنات الحية. هو في نفس الوقت نتاج الواقع الاجتماعي ونتاج الأدب الخيالي. الواقع الاجتماعي هو العلاقات الاجتماعية الحية، وهو أعظم بناء سياسي لدينا، وهو نوع من الخيال الذي يغير العالم. لقد قامت الحركة النسائية العالمية ببناء “تجربة المرأة” مع الكشف عن أو اكتشاف هذا الكائن الجماعي الأساسي. إن هذه التجربة هي الخيال والحقيقة السياسية الأكثر أهمية. تعتمد حركات التحرير على بناء وعي بالاضطهاد، أو فهم خيالي للقمع وللإمكانيات. تتعلق الكائنات الآلية بالخيالات والتجارب الحية التي تخص ما يسمى “تجربة المرأة” في أواخر القرن العشرين. إنها معركة حاسمة، ولكن الخط الفاصل بين الخيال العلمي والواقع الاجتماعي هو مجرد وهم بصري.
الخيال العلمي المعاصر مليء بالسايبورغ. هذه الكائنات التي هي في نفس الوقت حيوانات وآلات، منتشرة في عوالم يصبح فيها الطبيعي والصناعي غير واضحين. الطب الحديث أيضًا مليء بالسايبورغ، ومليء بتركيبات بين الآلات والكائنات الحية. يُعتقد أن جميع السايبورغ هم معدات مشفرة، تربطها علاقة وثيقة، كما لديها قوة لا يتم إنتاجها من تاريخ الجنس. جنس” السايبورغ يرجعنا إلى نباتات السرخس (اللي تتكاثر عن طريق الأبواغ)، وبعض الحيوانات اللافقارية مثل الهيدرا (اللي تتكاثر عن طريق التبرعم). هذه الطرق مختلفة عن التكاثر الجنسي. بالنسبة لنموذج التفكير الذي يقرّ بأن التكاثر الجنسي هو القاعدة، فإن هذا يُعتبر فعلًا نوعًا من الفوضى أو اللا-تنظيم (الباروكي) — (ملاحظة المترجم). إضافة إلى بعض طرق التكاثر غير المنتظمة والمثيرة للاهتمام لدى اللافقاريات (وهي ما يُعرف بـ ‘التكاثر الباروكي’)، يا لها من آلية بيولوجية دقيقة لتجنّب الهيمنة المغايرة الجنسية!. تكاثر السايبورغ منفصل عن التكاثر البيولوجي، والإنتاج الحديث يبدو وكأنه حلم استعمار سايبورغي، يجعل كابوس التايلورية (Taylorism) يبدو بسيطًا أمامه. أما الحرب الحديثة، فهي حفلة جنون للسايبورغ، وتجسدت في ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 1984م، التي وصلت إلى 840 مليار دولار، تحت اسم مشروع C3I، وهو اختصار لـ: القيادة، التحكم، الاتصالات، والمخابرات؛ نموذج تنظيمي عسكري وضعه الجيش الأمريكي. حجتي هي أن السايبورغ يُعد خيالًا يرسُم خريطة لواقعنا الاجتماعي وواقع أجسادنا، وفي الوقت نفسه يُعتبر مصدرًا تخيليًّا يُشير إلى روابط مُثمرة. أما بالنسبة لسياسة السايبورغ، وهي مجال مفتوح جدًّا، فإن مفهوم ميشيل فوكو عن “البيوسياسة” (السياسة الحيوية) يبدو نذيرًا ضعيفًا أو عاجزًا.
في أواخر القرن العشرين؛ عصرُنا هذا، وهو عصرٌ أسطوري، نحن جميعًا كائنات “كيميرا” (مزيج بين عدّة كيانات)، نحن خليط من الآلات والكائنات الحيّة، تم نظريًّا “تصنيعنا” أو “صُنعنا”. باختصار، نحن جميعًا سايبورغ. السايبورغ هو طبيعتنا الأساسية، وهو ما يمنحنا سياستنا. صورة السايبورغ تُجسّد الخيال والواقع المادي، وهذان العنصران المرتبطان ببعضهما يشكلان الأساس الذي يجعل التغيير التاريخي ممكنًا. في التقاليد العلمية والسياسية “الغربية”، كانت العلاقة بين الكائن الحي والآلة دائمًا بمثابة حرب حدود. (وهذه التقاليد هي تقاليد الرأسمالية العنصرية التي يهيمن عليها الذكور، وهي أيضًا تقاليد تؤمن بالتقدُّم، وتستولي على الموارد الطبيعية بوصفها مواد خام للإنتاج الثقافي، وتعيد تشكيل الذات من خلال التفكير في الآخر).
ما هو محل نزاع في هذه الحرب الحدودية هو الحدود بين الإنتاج، وإعادة الإنتاج، والخيال. الحجة في هذا الفصل هي أن الناس لا ينبغي أن يرحبوا فقط بإلغاء الحدود، بل يجب عليهم أيضًا أن يتحملوا المسؤولية عن بناء حدود غير واضحة. هذا الفصل أيضًا يسعى للمساهمة في الثقافة والنظرية النسوية الاشتراكية. ويتبع نموذجًا ما بعد حداثي، غير طبيعي، ويعتمد على تقليد يوتوبي يتخيّل عالَمًا بلا تمييز جنسي. هذا العالَم الخالي من الجنس قد لا يكون له بداية (الخلق – genesis) ولا نهاية. تجسيد (incarnation) السايبورغ يقع خارج قصة الخلاص أو التاريخ الديني، ولا حاجة له لانتظار يوتوبيا التعايش في المرحلة الشفوية (oral symbiotic utopia)، ولا لنهاية العالم بعد عقدة أوديب (post-oedipal apocalypse). في مخطوطة غير منشورة لزوي سوفوليس بعنوان لاكلاين (Lacklein)، وهي دراسة عن جاك لاكان، وميلاني كلاين، وثقافة السلاح النووي (nuclear culture)، ورد أن في عالم السايبورغ، أكثر الكائنات رعبًا -وربما أيضًا أكثرها وعدًا- تتجسّد في سردٍ غير أوديبي (non-oedipal)، يحمل منطقًا مختلفًا من الكبت (repression). علينا أن نفهم هذا النوع من السرد إذا أردنا أن نبقى على قيد الحياة.
السايبورغ هو كائن يعيش في عالم ما بعد الجنس، ولا علاقة له بالازدواجية الجنسية (bisexuality)، ولا بالعلاقات التكافلية في مرحلة ما قبل أوديب، ولا بالعمل غير المغترب. كما لا يهتم بإغراء ضمّ قوة الأجزاء إلى كُل أعلى وشامل (appropriation). بمعنى ما، السايبورغ ليس له قصة أصل بالمعنى الغربي، وهذه سخرية نهائية؛ لأن “الغرب” يزداد هيمنة على فكرة الفردية المجردة (abstract individuation)، أي الوصول إلى ذات نهائية لا تعتمد على أي شيء آخر، كالإنسان الذي يعيش في الفضاء، والسايبورغ هو الغاية النهائية (telos) التي تشبه رؤيا مخيفة لهذا الشكل من السيطرة. إن قصة الأصل في الفكر الإنساني الغربي ترتكز على أساطير تتحدث عن الكون (cosmos)، وعن الكمال، والسعادة، والخوف. هذه الأسطورة تمثلها الأم الفالوسية (phallic mother)، ويجب على البشر أن ينفصلوا عنها. وهي أيضًا تظهر في مهمة التنمية الفردية والتاريخية، وتتمثل في الأسطورة القوية للتوأمين التي حفرها لنا التحليل النفسي والماركسية، مثل فكرة جنة عدن -الجنة المفقودة- عودة الطبيعة. (ملاحظة المترجم).
جادلت هيلاري كلاين (1989م) ذات مرة أنه في مفاهيم العمل والفردية وتكوين النوع الاجتماعي، تعتمد الماركسية والتحليل النفسي على فكرة الوحدة الأصلية؛ في المسرحية التي تزداد هيمنة فيها على النساء والطبيعة، يجب أن تنشأ الاختلافات والحاجة إلى الاختلافات من فكرة الوحدة الأصلية. يتجاوز السايبورغ فكرة الوحدة الأصلية بالمعنى الغربي ويتخطى خطوة التوحد مع الطبيعة. قد يؤدي هذا الوعد غير الشرعي إلى التأثير على الهدف الخاص بالشخص كما في حرب النجوم.
يلتزم السايبورغ بشدة بالتحيز، والسخرية، والحميمية، والاضطراب. إنه معارض، وطوباوي، وغير نقي تمامًا. لم يعد السايبورغ يتشكل من خلال القطبية بين العام والخاص، بل أصبح يحدد مدينة (polis) تكنولوجية تعتمد جزئيًا على ثورة في العلاقات الاجتماعية في الأسرة (oikos). لقد تم إعادة بناء الطبيعة والثقافة، حيث لم تعد الطبيعة موردًا يمكن استغلاله أو امتصاصه من قبل الثقافة. العلاقات التي تستخدم الأجزاء لتشكيل الكل، بما في ذلك الاستقطابات والهيمنة الهرمية، تصبح إشكالية في عالم السايبورغ. على عكس وحش فرانكنشتاين، لا يتوقع السايبورغ يُنقذ من خلال محاولات إعادة الكمال؛ أي من خلال خلق شريك من جنسين مختلفين، أو من خلال تحقيق الكمال في كل متكامل، أو مدينة، أو كون. لا يحلم السايبورغ بمجتمع مبني على نموذج الأسرة العضوية؛ أي الأسرة العضوية بلا خطة أوديب. لن يعترف السايبورغ بوجود جنة عدن؛ لم يكن مصنوعًا من التراب ولم يكن من الممكن أن يحلم بالعودة إليه. ولعل هذا هو السبب الذي يجعلني أرغب في معرفة ما إذا كان بإمكان السايبورغ قلب نهاية العالم والعودة إلى الغبار المشع في اندفاع عنيف لتحديد العدو (قد يشير العدو المكتوب بأحرف كبيرة على وجه التحديد إلى الجانب الآخر من الحرب الباردة، الاتحاد السوفييتي). إن السايبورغ ليسوا متدينين، وهم لا يتذكرون الكون (cosmos). إنهم حذرون من الشمولية، ولكنهم في حاجة إلى الاتصالات، ويبدو أن لديهم ميلًا طبيعيًّا إلى سياسات الجبهة المتحدة دون وجود حزب طليعي. المشكلة الأكبر مع السايبورغ، بطبيعة الحال، هي أنهم ذرية غير شرعية للرأسمالية العسكرية الأبوية، ناهيك عن الاشتراكية الوطنية. لكن الأبناء غير الشرعيين غالبًا ما يكونون غير مخلصين لأصولهم، ففي نهاية المطاف، الأصل أو المنبع ليس له أي أهمية بالنسبة لهم.
أود أن أشير إلى انهيار ثلاثة حدود مهمة. ولهذا السبب؛ يصبح التحليل السياسي-الخيالي (political-fiction) أو السياسي-العلمي (political-scientific) الذي سأعرضه لاحقًا ممكنًا. في الثقافة التكنولوجية في أمريكا أواخر القرن العشرين، حُطّم الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان. لقد أصبحت آخر مرتكزات التفرد —مثل اللغة، واستخدام الأدوات، والسلوك الاجتماعي، والنشاط النفسي— إما ملوثة، أو تحولت إلى منتزهات ترفيهية، بحيث لم يعد هناك ما يمكن أن يحدد التمييز بين البشر والحيوانات بشكل مقنع. يرى كثير من الناس اليوم أنه لا داعي للحفاظ على هذا التمييز الصارم؛ بل إن العديد من اتجاهات الثقافة النسوية (feminist culture) تؤكد على متعة الشعور بالترابط بين الإنسان والكائنات الأخرى. أما حركة حقوق الحيوان، فهي لا تنكر تفرد الإنسان بطريقة غير عقلانية، بل تعترف بذكاء بوجود علاقة بين الطبيعة والثقافة، وهي علاقة كثيرًا ما فُهمت على أنها مقطوعة أو منفصلة بشكل غير موثوق. أما علم الأحياء ونظرية التطور خلال القرنين الماضيين، فقد قدّما الكائنات الحية كمجالات للمعرفة، وفي الوقت نفسه جعلا الفاصل بين الإنسان والحيوان يبدو كأنه مجرد أثر خافت، يظهر ويختفي بحسب السياق. وغالبًا ما يعود هذا الأثر للظهور أثناء الصراعات الأيديولوجية، أو أثناء الخلافات بين تخصصات مثل علوم الحياة والعلوم الاجتماعية. ومن هذا المنطلق، فإن تعليم قصة الخلق (creationism) للمسيحيين المعاصرين يجب أن يُنظر إليه كنوع من إيذاء الأطفال.
في الثقافة العلمية، تعتبر أيديولوجية “الحتمية البيولوجية” مجرد أحد المواقف التي تؤكد على أهمية الحيوانية البشرية. هناك مجال كبير أمام النشطاء السياسيين لطرح الأسئلة حول أهمية هذه الحدود التي اخترقت. فالسايبورغ يظهر في الأساطير تحديدًا عند تجاوز الحدود بين الإنسان والحيوان، وهو لا يشير إلى فصل الإنسان عن الكائنات الأخرى، بل يدل -بطريقة مقلقة ومبهجة في آنٍ واحد- على الاقتران الوثيق بينهما (tight coupling)، وقد نالت الحيوانية موقعًا جديدًا في دورة تبادل الزواج هذه.
أما الشق الثاني فهو التمييز بين الكائنات الحية (العضوية) والآلات. هناك دائمًا شعور داخلي بأن الآلات ما قبل الإلكترونية مسكونة بالأشباح. إن الثنائية العضوية الميكانيكية تشكل الحوار بين المادية والمثالية، والذي يتم ضبطه من خلال مشتق معين من الجدلية، والذي يسمى إما الروح أو التاريخ حسب الذوق. لكن في الأساس، لم تكن الآلات في ذلك الوقت ذاتية القيادة، أو ذاتية التصميم، أو مستقلة. لا يمكنها سوى السخرية من المثل العليا الإنسانية، وليس تحقيقها. لم تكن الآلات بشرًا، ولا كانت مبدعة لذاتها، بل كانت مجرد كاريكاتير (caricature) لحلم الأبوة الأبوي. في الماضي كان من الممكن لشخص مصاب بجنون العظمة أن يفكر بطريقة مختلفة، ولكن الآن لم نعد متأكدين من ذلك. لقد أدت آلات أواخر القرن العشرين إلى جعل الفوارق بين الطبيعي والاصطناعي، وبين العقل والجسد، وبين التطوير الذاتي والتصميم الخارجي، والعديد من الفوارق الأخرى التي كانت تنطبق في السابق على الكائنات الحية والآلات، ضبابية بشكل ملحوظ. آلاتنا أصبحت حية إلى درجة تجعلنا غير مرتاحين، ونحن أنفسنا أصبحنا ميتين بشكل مخيف.
نحن نشارك في لعبة الكتابة والقراءة في العالم من خلال إعادة تصور الآلات والكائنات العضوية كنصوص مشفرة. الحتمية التكنولوجية هي مجرد مساحة أيديولوجية يتم فتحها بواسطة هذا التصور الجديد. لقد تعرضت استراتيجيات ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة؛ التي تتعامل مع “تحويل كل شيء إلى نص” (textualization)، لانتقادات شديدة من قبل الماركسيين والنسويات الاشتراكيات، لأن هذه الاستراتيجيات تغفل بشكل طوباوي الأساس الذي تقوم عليه “لعبة” (game) التفسير العشوائي: العلاقات السلطوية الحية. دمّرت استراتيجيات ما بعد الحداثة العديد من الكيانات العضوية (مثل الشعر، والثقافات الأصلية، والكائنات الحية) كما هو موضح في أسطورة السايبورغ. باختصار، قد تكون الثقة فيما يُعتبر طبيعيًّا -كمصدر للإلهام، وعدًا بالنقاء- قد تم تقليصها بشكل كبير. لم يعد هناك تفسير مسبق، وبالتالي، زال الأساس الميتافيزيقي الذي كانت تقوم عليه المعرفة الغربية. ومع ذلك، فإن البديل لهذه النظرة ليس هو التمرد أو فقدان الإيمان؛ لأن كليهما شكل من أشكال الوجود المجرد (abstract)، كما أن تفسير الحتمية التكنولوجية باستخدام “الآلات” لتدمير “الإنسان”، أو “النصوص” لتدمير “العمل السياسي المعنوي”، هو أيضًا شكل من أشكال التجريد. ما هي هوية السايبورغ في المستقبل؟ (who) هذا سؤال أساسي، والإجابة على هذا السؤال تتعلق بوجودنا. إذا كانت للشمبانزي والمنتجات الاصطناعية سياساتها الخاصة، فلماذا لا يمكن أن يكون لنا أيضًا سياستنا الخاصة؟ (فرانس دي وال، 1982م؛ لانجدون وينر، 1980م).
التمييز الثالث هو عبارة عن مجموعة فرعية من التمييز السابق: بالنسبة لنا، فإن رسم الحدود بين فيزيائي وغير فيزيائي (physical and non-physical) ليس دقيقًا على الإطلاق. كتب الفيزياء الشعبية حول استنتاجات نظرية الكم ومبدأ اللايقين تحظى بشعبية كبيرة مثل روايات هارليكوين (Harlequin romances)؛ التي هي من أكثر أنواع الروايات الرومانسية مبيعًا عالميًّا من دار نشر هارليكوين (Harlequin Enterprises Limited). هذه الكتب تشير إلى التغيرات العميقة التي شهدتها تجارب الأمريكيين البيض من ذوي التوجهات الجنسية المختلفة: على الرغم من أن تصريحاتها خاطئة، إلا أنها تتناول الموضوع الصحيح. الآلات الحديثة هي في الأساس أجهزة ميكرو إلكترونية، وهي موجودة في كل مكان، ولكن لا يمكن رؤيتها. الآلات الحديثة هي كائنات جديدة غير متدينة، تسخر وتقلد العمومية والروحانية للأب/الخالق. رقاقة السيليكون هي سطح يمكن الكتابة عليه، والنقوش الموجودة عليها هي على مقياس الجزيئات، ولا يمكن أن يزعج هذه النقوش إلا الضوضاء الذرية (the ultimate interference for nuclear scores) التي يمكن أن تشوشها (المقصود هنا هو أن عدم اليقين الذري يمكن أن يزعج النقوش على مقياس الجزيئات. استخدم الكاتب هنا مجازين مترابطين: الأول هو الكتابة، والآخر هو السيمفونية -الضوضاء، حيث “الكتابة” و”السيمفونية” تشير إلى النقوش على مقياس الجزيئات، بينما “الضوضاء الذرية” تشير إلى عدم اليقين الذري الذي يزعج هذه النقوش على مقياس الجزيئات-. ملاحظة المترجم). الكتابة، والسلطة، والتكنولوجيا شركاء قُدماء في قصة أصل الحضارة الغربية، ولكن التصغير قد غيّر تجربتنا مع الآلات. كان التصغير مرتبطًا بالسلطة. التصغير، بدلًا من أن يكون جميلًا، كان يمثل خطرًا شديدًا، ومن الأمثلة على ذلك صواريخ كروز. إذا قارنت بين جهاز التلفزيون في خمسينيات القرن الماضي أو كاميرا الأخبار في السبعينيات، وبين ساعة التلفاز الحديثة أو الكاميرا المحمولة التي تظهر في الإعلانات حاليًّا. أفضل آلاتنا تأتي من الحزام الشمسي (تشير إلى المنطقة الواسعة التي تمتد عبر أمريكا جنوب خط العرض 36° شمالًا، وتشتهر هذه المنطقة بمناخها المعتدل في الشتاء، والشمس الساطعة طوال العام، ونموها الاقتصادي السريع. — ملاحظة المترجم) وهي خفيفة ونظيفة؛ لأنها ليست أكثر من مجرد إشارات أو موجات كهرومغناطيسية أو جزء من طيف ضوء. هذه الآلات خاصة محمولة وقابلة للتغيير، وهو أمر يرتبط بالألم الكبير الذي يشعر به الناس في ديترويت وسنغافورة. لا يمكن للناس الاقتراب من حالة تكون متقلبة، وواقعية، وضبابية في الوقت نفسه. السايبورغ هو الأثير، هو الجوهر.
السايبورغ موجود في كل مكان، ولكنه غير مرئي، وهذه بالضبط الأسباب التي تجعل الآلات التي تأتي من الحزام الشمسي (solar belt) قاتلة جدًّا. وجودها السياسي غير مرئي تمامًا مثل شكلها المادي. إنها تتعلق بالوعي، أو بمحاكاة للوعي (من كتاب “التمثيلات والمحاكاة” لجان بودريار – ملاحظة المترجم). إنها تشير إلى العلامات المتنقلة عبر أوروبا مثلما تفعل سيارات البيك أب، وإذا أردت إيقافها، فإن نساء غريهام غير الطبيعيات اللواتي يُمثلن كالساحرات، وينسجن أجسادهن في صورة منسوجات، أكثر فاعلية من القوى العسكرية الذكورية القديمة؛ لأنهن يفهمن شبكة قوة السايبورغ بشكل جيد، بينما يحتاج الناخبون الطبيعيون لهؤلاء السايبورغ إلى مناصب دفاعية. في الأساس، “أصعب” العلوم تتعلق بأكثر المجالات التي تكون الحدود فيها غامضة، مثل المجالات الرقمية البحتة، والمجال العقلي البحت، والـ C3I، وعلم التشفير، وحماية الأسرار القوية (preservation of potent secrets).
الآلات الجديدة نظيفة وخفيفة جدًّا. مهندسوها هم من عباد الشمس، ينسقون الثورات العلمية الجديدة المرتبطة بأحلام ما بعد الصناعية. الأمراض التي تثيرها هذه الآلات النظيفة ليست سوى تعديلات دقيقة على الترميز المناعي في النظام، وليست سوى استجابة للضغط. الاهتمام الذي يفرض على النساء بالأشياء الصغيرة -من أصابع النساء “الشرقيات” الرقيقة، إلى هوس الفتيات الصغيرات في العصر الفكتوري البريطاني ببيوت الدمى- يحصل الآن على بُعد جديد تمامًا في هذا العالم. ربما هناك سايبورغ أليس (اسم مستعار من شخصية أليس في “أليس في بلاد العجائب” – ملاحظة المترجم) لشرح هذه الأبعاد الجديدة. من المثير للسخرية أن هذا التحالف الذي أسسته النساء غير الطبيعيات في آسيا، اللاتي يصنعن الرقائق أو اللواتي يمكثن في سجن سان ريتا (وهو ممارسة تتمتع بالطابع الروحي والسياسي، وربطت حراس السجون في كاليفورنيا في ألاميدا واعتقلت المتظاهرين المناهضين للأسلحة النووية في أوائل الثمانينيات) قد يوفر إرشادات لاستراتيجيات المقاومة الفعالة.
لذلك، فإن أسطورتي عن السايبورغ تتعلق بالحدود التي تم تجاوزها، والاندماجات القوية، والإمكانات الخطرة. ربما يرى التقدميون أنها جزء ضروري من العمل السياسي الذي يجب استكشافه. أحد افتراضاتي هو أن معظم الاشتراكيين والنسويات في أمريكا قد شهدوا كيف أن الثنائيات مثل الجسد والعقل، والحيوان والآلة، والمثالية والمادية، أصبحت تتعمق باستمرار في الممارسة الاجتماعية، والتعبير الرمزي، وفي الكيانات الاصطناعية المرتبطة بـ “التكنولوجيا العالية” والثقافة العلمية. من “الإنسان ذو البعد الواحد” (ماركوزه، 1964م)، إلى “موت الطبيعة” (ميرشنت، 1980م)، فإن الموارد التحليلية التي طورها التقدميون تؤكد على الهيمنة التكنولوجية الضرورية، وتُعيد إلى أذهاننا صورة كائن عضوي متخيل لتوحيد أعمال المقاومة لدينا. أما افتراضي الآخر فهو أن الحاجة إلى توحيد الناس لمقاومة الهيمنة المتزايدة على مستوى العالم لم تكن أبدًا أكثر إلحاحًا. ولكن، إذا قمنا بتغيير بسيط في وجهة النظر، فقد نكون أكثر قدرة على النضال من أجل المعنى وغيره من أشكال القوة والمتعة في مجتمع يعتمد على التكنولوجيا.
من منظور ما، يمثل عالم السايبورغ الفرض النهائي لشبكة التحكم على كوكبنا، ويعني التجريد النهائي لنهاية العالم المتمثل في حرب النجوم التي أُطلقت تحت ذريعة الدفاع، ويعني الاستيلاء النهائي على جسد الأنثى في كرنفال حرب أبوية (صوفيا، 1984م). ومن منظور آخر، يعني عالم السايبورغ أيضًا الواقع السياسي الحي و(الواقع الجسدي). هنا، لن يشعر الناس بالخوف من الانتماء إلى الحيوانات والآلات في نفس الوقت، ولن يشعروا بالخوف من الاستمرارية الأبدية للهويات غير المكتملة والمواقف المتناقضة. تتطلب المقاومة السياسية كلا المنظورين في الوقت نفسه، لأن كل منظور يكشف عن نوع من الهيمنة والإمكانات التي لا يمكن تصورها في المنظور الآخر. (الرؤية الأحادية تخلق أوهامًا أسوأ بكثير من الرؤية المزدوجة أو الوحوش متعددة الرؤوس). اتحاد السايبورغ مرعب، وأيضًا غير قانوني. في وضعنا السياسي الحالي، يكاد يكون من المستحيل أن نتوقع أسطورة أقوى من هذه للمقاومة وإعادة الوحدة. أحب أن أعتبر (مجموعة ليفرمور للعمل) (the Livermore Action Group، LAG) كنوع من (مجتمع السايبورغ)، الذي يهدف إلى تغيير تلك المختبرات التي تجسد بشكل متطرف (القيامة التكنولوجية)، وتنفث بقوة الأدوات التي تساهم في (القيامة التكنولوجية)، وتهدف إلى بناء شكل سياسي قادر على جمع السحرة والمهندسين والزعماء والمسيحيين والأمهات واللينينيين لفترة طويلة بما يكفي لإجبار الدولة على تسليم أسلحتها. (الانقسام المستحيل) هو اسم المجموعة في مدينتي الصغيرة. (القرابة ليست قائمة على روابط الدم، بل على الروابط الاختيارية، وعلى جاذبية المجموعات الكيميائية النووية ورغبتها في الانتماء).
——————-
(وفق اتفاقية خاصة بين مؤسسة معنى الثقافية، ومنصة Aisixiang).
تُرجمت هذه المقالة بدعم من مبادرة «ترجم»، إحدى مبادرات هيئة الأدب والنشر والترجمة.

الآراء والأفكار الواردة في المقالة تمثّل وِجهة نَظر المؤلف فقط