آليات تسوية المنازعات الناشئة عن العقود الذكية

تقرير بحثي : آليات تسوية منازعات العقود الذكية

دراسة تحليلية لورقة الدكتور هبة رمضان رجب والدكتور عبد الرازق وهبة

1. الإطار العام والتعريف بالدراسة

تستعرض هذه الدراسة المعمقة، المنشورة في “المجلة العصرية للدراسات القانونية” الصادرة في فلسطين (رام الله)، إشكالية قانونية معاصرة فرضتها الثورة الصناعية الرابعة. الورقة من إعداد الدكتور هبة رمضان رجب (جامعة بني سويف) والدكتور عبد الرازق وهبة (كلية جدة العالمية)، وقد حظيت بالمراجعة في تاريخ 15 أكتوبر 2025 وقُبلت للنشر في 19 أكتوبر 2025.

مشكلة البحث: تتمثل المعضلة في “الفجوة الوظيفية” بين القضاء التقليدي وطبيعة تقنية “البلوك شين” (سلسلة الكتل). فبينما تتسم العقود الذكية باللامركزية والتنفيذ الآلي العابر للحدود، تظل النظم القضائية محكومة بقواعد الاختصاص الإقليمي والتدخل البشري التقديري، مما يثير تساؤلات جوهرية حول كيفية فض النزاعات في بيئة برمجية مشفرة.

أهداف البحث ومنهجيته: تسعى الدراسة إلى رسم خارطة طريق قانونية لتسوية هذه المنازعات عبر تحليل المنهج الوصفي المقارن بين القوانين الوطنية (مصر، السعودية، الإمارات) والنظم الغربية، مع تقييم فاعلية القضاء الرقمي والتحكيم “على السلسلة” (On-chain).

2. المبحث الأول: ماهية العقود الذكية وموقف النظم القانونية

تعريف العقود الذكية وآلية عملها: وفقاً لما طرحه “نيك زابو” عام 1994، تُشبه العقود الذكية “آلة البيع الآلي” (Vending Machine)؛ فبمجرد إدخال النقود (استيفاء الشروط) والضغط على الزر (تفعيل الكود)، تنفذ الآلة الالتزام تلقائياً بصرف السلعة. هي بروتوكولات حاسوبية ذاتية التنفيذ تعمل كجسر (Bridge) بين النصوص التعاقدية والرموز الرقمية.

الدور الجوهري لـ “الأوراكل” (Oracle): تعمل برامج “الأوراكل” كحلقة وصل تقنية تجلب البيانات من العالم الخارجي إلى داخل “سلسلة الكتل”. وتبرز أهميتها كأداة تمنع تعطل العقد نتيجة أخطاء خارج “الكود” البرمجي، مما يضمن تدفق المعلومات اللازمة للتنفيذ التلقائي.

الموقف القانوني المقارن: | الدولة / النظام | الموقف التشريعي | | :— | :— | | إيطاليا ومالطا | اعتراف صريح (قانون رقم 12 لسنة 2019 الإيطالي) بتقنيات السجلات الموزعة. | | الولايات المتحدة | اعتراف في ولايات (تينيسي، أريزونا، فيرمونت) بصحة السجلات المؤمنة بالبلوك شين. | | بيلاروسيا | سباقة بإصدار قانون الابتكار الرقمي (المرسوم رقم 8 لسنة 2017) لتنظيم الاقتصاد الرقمي. | | دولة الإمارات | نهج ريادي عبر “قانون الثقة وخدمات الهوية رقم 46 لسنة 2021” واستراتيجية البلوك شين. | | مصر والسعودية | اعتراف ضمني عبر قوانين التوقيع الإلكتروني (القانون المصري رقم 15 لسنة 2004) مع حاجة لتطوير بنية تشريعية مخصصة. |

3. المبحث الثاني: المسار القضائي (بين المحاكم التقليدية والرقمية)

تحديات المحاكم التقليدية و”منطق الآلة”: تعتمد العقود الذكية على “المنطق الآلي” (Automated Logic) الذي يُقصي السلطة التقديرية للقاضي؛ فالعقد يمضي قدماً كما هو محدد وقت كتابته بغض النظر عن نية المتعاقدين التقليدية أو تغير الظروف. هذا الجمود يجعل القضاء العادي عاجزاً عن التدخل لتفسير أو تعديل الالتزامات المرهقة، فضلاً عن صعوبة تحديد هوية الأطراف المختبئة خلف عناوين مشفرة.

تطور المحاكم الرقمية: يشير البحث إلى جذور تاريخية بدأت بتجربة “فيرجينيا” عام 2002 وقاعة “المحكمة 21” في ميتشغان، وصولاً إلى نماذج معاصرة مثل:

  • محكمة التسوية المدنية (CRT) في كولومبيا البريطانية: التي تعمل عبر الإنترنت منذ 2016.
  • محاكم دبي (مركز دبي المالي العالمي): التي أطلقت أول محكمة بلوك شين لتبسيط العمليات القضائية وضمان الشفافية.

المزايا: توفر المحاكم الرقمية سرعة فائقة، خفضاً للتكلفة، وقدرة على أرشفة الملفات القضائية عبر السجلات الموزعة بما يمنع التلاعب.

4. المبحث الثالث: التحكيم كبديل استراتيجي لتسوية المنازعات

التحكيم الذكي (On-chain) مقابل الإلكتروني: يميز البحث بين التحكيم الإلكتروني التقليدي (الذي قد يتطلب تدخلًا بشريًا للتنفيذ) والتحكيم الذكي الذي يتميز بـ “التنفيذ الذاتي والآلي”؛ حيث يُدمج شرط التحكيم في كود العقد، ويتم تنفيذ الحكم فور صدوره تقنياً دون الحاجة لصيغة تنفيذية من محاكم وطنية.

منصات التحكيم الرقمية (نموذج Kleros): تعتمد منصة Kleros على “نظرية الألعاب” ونظام التحفيز الاقتصادي:

  • المراهنة (Staking): يودع المحلفون رموز PNK ليتم اختيارهم عشوائياً.
  • الثواب والعقاب: المحلف الذي يصوت مع “الأغلبية” يُكافأ، بينما يُعاقب من يصوت مع “الأقلية” بمصادرة رموزه المودعة، مما يضمن نزاهة القرار.

التحديات القانونية الدولية:

  • اللائحة الأوروبية (GDPR): تعارض مبدأ “عدم القابلية للتعديل” في البلوك شين مع “الحق في النسيان”.
  • اتفاقية نيويورك 1958: تبرز إشكالية المادة (2) التي تطلب “اتفاقاً مكتوباً”، حيث لا تزال الأكواد البرمجية تواجه تحدي الاعتراف بها كصيغة “كتابة” قانونية بموجب الاتفاقية.

5. النتائج الجوهرية للدراسة

  1. عدم الانسجام: عجز القضاء التقليدي عن ملاحقة الطبيعة التقنية لـ “منطق الكود” واستبعاد السلطة التقديرية.
  2. كفاءة التحكيم الذكي: هو الوسيلة الأكثر اتساقاً مع العقود الذكية لضمان التنفيذ الفوري والآلي للحكم.
  3. أهمية النهج الهجين (Hybrid Approach): ضرورة ربط العقد الذكي بعقد تقليدي “ورقي” يكون هو المرجع القانوني عند حدوث ثغرات برمجية أو ظروف طارئة.
  4. الحاجة للتخصص: ثبوت ضرورة إنشاء محاكم رقمية متخصصة تقنياً لضمان الأمن القانوني.

6. التوصيات والآفاق المستقبلية

بناءً على النتائج المستخلصة، يوصي الباحثون بالآتي:

  • التدخل التشريعي الصريح: وجوب اعتراف المشرعين (المصري، السعودي، الإماراتي) بالعقود الذكية وتقنية سلسلة الكتل بنصوص قانونية خاصة.
  • تطوير قوانين التحكيم: تعديل قوانين التحكيم الوطنية (مثل القانون رقم 27 لسنة 1994 في مصر) لتنظيم “التحكيم الذكي” والاعتراف بآلياته.
  • اعتماد العقود الهجينة: حث المتعاملين على صياغة عقود ورقية موازية للأكواد البرمجية لضمان مرونة التعديل قانوناً.
  • المبادرة الدولية: دعوة المجتمع الدولي لمراجعة اتفاقية نيويورك 1958 لتوسيع مفهوم “الكتابة” ليشمل السجلات الرقمية والأكواد البرمجية المشفرة.

شاهد أيضاً

تسجيل أول بنية تعاقدية قانونية ذاتية التنفيذ لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية في اليوم العالمي للإبداع والابتكار

في خطوة تُعد سابقة في مجال التقنية القانونية، أعلن المستشار القانوني وديع بنجابي عن تسجيل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *