اترك مسافة

بقلم نسرين فهد ابو الجدايل*

ترك مسافة بينك وبين الآخرين ليس علامة على البرود أو القسوة كما قد يظن البعض، بل هو في الحقيقة سلوك صحي يعكس وعي الإنسان بذاته واحترامه لحدوده وحدود غيره.

في العلاقات الإنسانية، سواء كانت صداقة أو زمالة عمل أو حتى روابط عائلية، يحتاج الفرد إلى مساحة خاصة يحافظ فيها على توازنه النفسي واستقلاله الشخصي مما يولد الاحترام بين الأشخاص .

فمن الصعب جدا أن تكون الحياة الشخصية مكشوفة للجميع و تحت الأنظار و تلاحقها المراقبة.

هذه المسافة لا تعني الانعزال أو الانفصال، بل تعني القدرة على الاقتراب دون الذوبان، وعلى العطاء دون استنزاف.

عندما لا يضع الإنسان حدودا واضحة، قد يجد نفسه مع مرور الوقت مثقلا بمشاعر الآخرين ومشكلاتهم، وكأنه مسؤول عن حلها جميعا.

هذا التداخل الزائد يسبب ضغطا نفسيا كبيرا، وقد يؤدي إلى التوتر أو حتى فقدان الرغبة في التواصل وربما يؤثر على جودة الحياة .

في المقابل، عندما يحافظ الشخص على مسافة صحية، فإنه يكون أقدر على تقديم الدعم بطريقة متزنة، لأنه لا يفقد نفسه في خضم هذه العلاقات.

كما أن ترك المسافة يمنح العلاقات فرصة للنضج.. فالقرب الزائد أحيانا يكشف كل التفاصيل بسرعة، مما قد يخلق احتكاكات أو مللا مبكرا أو يحدث بعض المشكلات لأسباب كثيرة ..
بينما المسافة تضيف نوعا من الاحترام والاشتياق، وتجعل اللقاءات أكثر قيمة.

كذلك، فإن هذه المساحة تسمح لكل طرف بأن يعيش بشكل مستقل، ويطور اهتماماته وهويته دون أن يشعر بأنه مقيد بالآخر أو محاط بالمراقبة و التقييم و الانتقاد .

من جهة أخرى، فإن احترام المسافة يعكس نضجا عاطفيا، حيث يدرك الإنسان أن لكل شخص حدوده وظروفه، وأن القرب لا يقاس بالتصاق دائم، بل بجودة التواصل وصدق المشاعر.

فالعلاقات الصحية ليست تلك التي تلغى فيها المسافات، بل التي تدار فيها هذه المسافات بوعي ومرونة.

و أخيرا يمكن القول إن ترك مسافة بينك وبين الآخرين ليس ضعفا في العلاقة، بل هو عنصر أساسي لاستمرارها بشكل صحي ومتوازن.

إذ إنها مساحة تحميك من الإرهاق، وتحافظ على هويتك، وفي الوقت ذاته تمنح علاقاتك عمقا وراحة واستمرارية وتحافظ على الإحترام بين الجميع .

أخصائية مختبر
منسقة برنامج فحص الزواج و المختبرات المرجعية و تعليم الموظفين

شاهد أيضاً

وزارة البيئة والمياه والزراعة تكرّم منصة “محبي مكة” تقديراً لجهودها الإعلامية في موسم حج 1447هـ

​في ظل الجهود العظيمة التي تبذلها كافة قطاعات الدولة لخدمة ضيوف الرحمن، وبتوجيهات ودعم من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *