العلاقة الوثيقة بين الإيقاع البيولوجي للكائنات الحية وجهود مكافحة التصحر والتشجير

يقدم هذا التقرير تحليلاً مفصلاً للموضوعات التي تناولتها جلسة الامس بين محرر قسم التطوع و التنمية و الناشط البيئي رئيس مجلس ادارة جمعية حياة البيئة الاستاذ طارق حسين، والتي تمحورت حول العلاقة الوثيقة بين الإيقاع البيولوجي للكائنات الحية وجهود مكافحة التصحر والتشجير، مع التركيز على التجربة السعودية في هذا المجال.

1. الإيقاع الحيوي والساعة البيولوجية: “نبض محفور في الخلايا”

تناولت المصادر مفهوم الساعة البيولوجية كإيقاع داخلي دقيق ينظم حياة الكائنات، بدءاً من النباتات وصولاً إلى الإنسان:

  • تجربة نبتة الميموزا (1729): أثبت العالم الفرنسي “دي ميران” أن النباتات تمتلك ساعة داخلية؛ حيث استمرت نبتة الميموزا في فتح وإغلاق أوراقها في مواعيد الشروق والغروب المعتادة حتى عند وضعها في خزانه مظلمة تماماً .
  • الساعة البيولوجية عند الإنسان: يمتلك البشر “جينات الساعة” التي تنتج بروتينات تنظم العمليات الحيوية (مثل هرمون الميلاتونين) في دورة تستغرق حوالي 24 ساعة .
  • تحديات العصر الحديث: يؤدي التعرض المستمر للشاشات (الضوء الأزرق) والسفر عبر المناطق الزمنية إلى إرسال إشارات كاذبة للدماغ، مما يسبب “الارتباك الجسدي” وأمراضاً مزمنة كالسكري والاكتئاب .
  • التلوث الضوئي: أشار النقاش إلى أن إضاءة المدن المستمرة تزعج الأشجار وتمنعها من “النوم”، مما يؤثر سلباً على عمليات التشجير.

2. تدهور البيئة ومكافحة التصحر في المملكة العربية السعودية

استعرضت المصادر تسلسلاً تاريخياً لتدهور البيئة وبدايات استعادة توازنها:

  • أسباب التدهور: ارتبط التدهور بزيادة الرفاهية، حيث تحولت المساحات المزروعة إلى مخططات عمرانية، بالإضافة إلى الصيد الجائر والرعي الجائر الذي تفاقم مع كثرة السيارات والأسلحة .
  • أثر الرعي: وُصف الرعي الجائر بأنه استهلاك العشب قبل أن يطرح بذوره، بينما يكون الرعي صحياً إذا تم بعد نضج البذور وتشتتها .
  • رؤية 2030 والمبادرات الخضراء: ساهمت الرؤية والمحميات الملكية في استعادة الطبيعة بشكل ملحوظ؛ حيث عادت مناطق مثل مكه للاخضرار، وعادت حيوانات برية كالضب والوعول للظهور في بيئاتها الطبيعية نتيجة القوانين الصارمة والحماية .

3. تقنيات ودروس من الواقع الميداني للتشجير

قدم الأستاذ طارق حسين تجربة عملية غنية من منطقة تبوك (القليبة) بدأت منذ عام 2017، مبرزاً عدة نقاط تقنية هامة:

  • الذاكرة الجينية للبذور: من الخطأ الفادح نقل بذور من منطقة إلى أخرى بعيدة؛ إذ يجب مراعاة “الذاكرة الجينية” وتوافق دوائر العرض لضمان تكيّف النبات مع ساعات النهار والطقس .
  • تقنية حصاد الأمطار: لا تعني مجرد حفرة بسيطة، بل هي حساب معدلات الهطول المطري وتوفير “أقواس ترابية” حول الشتلات لاحتجاز المياه.
  • التوقيت المثالي للغرس: يُفضل الغرس مع هطول الأمطار (تتبع المنخفضات الجوية)؛ لأن مياه السيول غنية بالمعادن وتساعد جذور شجر “الطلح” على النمو السريع لتتبع المياه الجوفية، مما يغني عن الري المستمر .
  • الزراعة بالبذور مقابل الشتلات: تم عرض تجارب ناجحة لزراعة “الشفلح” بالبذور عبر تتبع المطر دون ري إضافي، مما يثبت فعالية الزراعة المباشرة في البيئات الصحراوية.
مراحل تطور الغطاء النباتي في مشروع التشجير بالقليبة (2017 – 2024).

4. العمل التطوعي والقطاع غير الربحي: التحديات والحلول

سلط المتحدث الضوء على واقع التطوع البيئي في المملكة:

  • العوائق الإدارية: واجه المتطوعون لسنوات بيروقراطية في تأسيس الجمعيات، مع نقص في الدعم المادي واللوجستي .
  • حقوق المتطوع: وشدد الأستاذ طارق حسين على أهمية تمكين المتطوعين من خلال التدريب والتأهيل وتوفير أدوات العمل والسلامة المهنية، بما يضمن مشاركتهم الفاعلة وتحقيق الأثر المطلوب من المبادرات البيئية.
  • الشفافية والمصداقية: هناك انتقاد لبعض الأرقام المعلنة حول أعداد الأشجار المغروسة، مع دعوة لضرورة وجود جهات إشرافية مستقلة لضبط “فوضى التشجير” والأخطاء الفنية في المسافات واختيار الأنواع .

5. التكنولوجيا والابتكار في خدمة البيئة

طرح النقاش رؤية مستقبلية لدمج التقنيات الناشئة في العمل البيئي:

  • البلوك تشين (Blockchain) والـ NFTs: يتم استخدام هذه التقنيات لتوثيق الحقوق الفكرية للمحررين والناشطين البيئيين، وتحويل محتواهم المعرفي إلى “أصول رقمية” يمكن استثمارها، مما يضمن الشفافية في القطاع البيئي .
  • الذكاء الاصطناعي: يُستخدم لتحليل اللقاءات البيئية، وتوليد المحتوى الصوتي، وإدارة أنظمة التطوع بشكل ذاتي .

نحو مستقبل بيئي أكثر استدامة

خلص الحوار إلى أن مكافحة التصحر وتحقيق الاستدامة البيئية يتطلبان فهماً عميقاً للأنظمة الطبيعية التي تحكم الكائنات الحية، إلى جانب توظيف العلوم الميدانية والتقنيات الحديثة في التخطيط والتنفيذ. كما أن إشراك المجتمع المحلي وتمكين المتطوعين ونشر الوعي البيئي تمثل عناصر أساسية لضمان نجاح المبادرات الوطنية وتحقيق مستهدفات المملكة في بناء بيئة أكثر توازناً واستدامة للأجيال القادمة.

شاهد أيضاً

د.ضياء : دور حيوي للطب الشمولي في الوقاية وعلاج التهابات “المسالك البولية”

جدة – ماهر بن عبدالوهاب يعاني بعض الأشخاص من تكرار التهابات المسالك البولية رغم الالتزام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *