“جودة الجودة” من الامتثال الشكلي إلى الإتقان الجوهري

جودة الجودة: تقرير تحليلي شامل للقاء الأستاذ حامد عبدالله العباسي

معد المادة ملاذ العواد

1. المقدمة: مفهوم “جودة الجودة” وسياقه الإستراتيجي

تُمثل فلسفة “جودة الجودة” صرخة تنبيه إستراتيجية ودراسة نقدية فاحصة للمسار الإداري الراهن، وهي نتاج نضج معرفي وخبرة تراكمية ممتدة لأكثر من 16 عاماً في أروقة “مشروع مكة العالمي للجودة”. إن هذا المفهوم لا يقف عند حدود التنظير، بل يتجاوزها ليكون أداة تقويمية للممارسات التي انحرفت لتصبح “جودة مناسبات” بروتوكولية بدلاً من أن تكون “جودة ممارسات” حية.

إن الغرض الأساسي من الأطروحة التي أطلقها الأستاذ حامد العباسي هو فك الارتباط بين الجودة وبين “النماذج الورقية” التي تُعد خصيصاً لإرضاء لجان التقييم. إننا اليوم بصدد تحول إستراتيجي يهدف إلى تحويل الجودة من شعارات براقة تُزين المداخل، إلى ثقافة “تتنفسها” المنظمة في أدق تفاصيلها، تماشياً مع طموحاتنا الوطنية التي لا تقبل بأقل من الريادة العالمية. إن التميز الحقيقي يبدأ حين ندرك أن الجودة هي “جودة الجوهر” لا “جودة المظهر”، وهي رحلة تنطلق من أعماق الضمير الإنساني والمنطلقات العقدية لتصل إلى قمة الممارسة المؤسسية.

2. التأصيل القيمي: الجودة كمرادف لمفهوم “الإحسان”

في عمق ثقافتنا الإسلامية، الجودة ليست بضاعة مستوردة، بل هي قيمة قرآنية وأخلاقية أصيلة. إن الإحسان—بمفهومه النبوي الشريف (أن تعبد الله كأنك تراه)—هو المحرك الإستراتيجي الأول للجودة المهنية؛ إذ ينقل الرقابة من إطارها “البشري المحدود” إلى إطار “الرقابة الربانية المطلقة”.

لقد وضع القرآن الكريم مرجعيات إجرائية دقيقة، نجد تجلياتها في “آية الدين” (أطول آية في القرآن)، والتي تُمثل “دستوراً إجرائياً” متكاملاً للتوثيق والشفافية وحفظ الحقوق؛ حيث تسرد الأوامر في تسلسلات دقيقة (مثل “فاكتبوه”، “وليكتب بينكم كاتب بالعدل”)، مما يجعلها دليلاً تشغيلياً للتنظيم المعرفي والإداري.

جدول مقارنة: فلسفة الجودة بين الامتثال التقليدي ومقام الإحسان

وجه المقارنةمفهوم الجودة التقليدي (الامتثال الشكلي)مفهوم الإحسان في العمل (الإتقان الجوهري)
نوع الرقابةرقابة بشرية خارجية (مدققون ولجان)رقابة ذاتية ربانية (العمل كأن الله يراك)
الدافع الأساسيدافع وظيفي (الحصول على الشهادة أو المكافأة)دافع تعبدي (ابتغاء وجه الله والبركة)
الاستدامةمؤقتة (تنشط قبل التدقيق وتخبو بعده)مستدامة (سلوك يومي متأصل في الشخصية)
الهدف النهائيالوجاهة الاجتماعية والمؤسسيةتحقيق الإتقان المطلق ونفع الأمة

هذا التأصيل يحول الجودة من “عبء تنظيمي” إلى “لذة روحية” واستحقاق إيماني، وهو ما يعيد صياغة دور الفرد كمحرك أساسي للتميز.

3. أزمة التطبيق: نقد الفجوة بين “الوثيقة” و”الواقع”

نقف اليوم وقفة نقدية “لاذعة” لنفضح الانحرافات الخفية التي اختزلت الجودة في “الوجاهة الاجتماعية” (Social Prestige). لقد رصدنا في الواقع المؤسسي ما يمكن تسميته بـ “التمثيل التنظيمي”؛ حيث تُستنفر الجهود لتزيين المكاتب وزخرفة التقارير—على غرار حادثة “العيادة المزخرفة” الشهيرة—بمجرد علم المسؤول بزيارة لجنة تقييم، ليعود الوضع إلى سابق عهده بمجرد رحيلهم.

قائمة الملاحظات النقدية حول واقع الجودة:

  • جودة المناسبات: الاستعداد المؤقت والزخرفة المفرطة التي تفتقر للديمومة.
  • التمثيل الوثائقي: إتقان ملء النماذج والملفات مع غياب الأثر الملموس في الميدان.
  • هوس الشهادات: السعي خلف “الأيزو” والدروع كأدوات للفخر الاجتماعي لا للتطوير الفعلي.
  • الانفصام الإداري: لغة تقارير منمقة تخفي وراءها قصوراً حاداً في مستوى الخدمة الحقيقي.

إن فشل الجودة “الورقية” هو فشل في “بناء الإنسان” أولاً، مما يحتم علينا الانتقال من الجودة التي “تُرى بالعين” إلى الجودة التي “تُلمس في الأثر”.

4. محور بناء الإنسان: الجودة الفردية كحجر زاوية للتميز المجتمعي

ترتكز رؤيتنا نحو العالم الأول على مبدأ سمو الأمير خالد الفيصل: “بناء الإنسان قبل المكان”. فالإنسان المتقن هو اللبنة الأساسية لنهضة المجتمع. وفي هذا السياق، نستحضر النموذج الياباني كمرجع إستراتيجي؛ فهم لم يتفوقوا لأنهم “أذكى” من غيرهم، بل لأنهم “أكثر إتقاناً” للتفاصيل الصغيرة في ممارساتهم اليومية.

تتحقق الجودة الشاملة عندما يصبح الإتقان “مؤشراً أساسياً للأداء” (KPI) في حياة كل فرد:

  • المعلم والطبيب والمهندس والعسكري والتاجر: حين يمارس كل منهم مهمته كرسالة وأمانة، يتحقق الأمن المجتمعي والرفاه الاقتصادي.
  • ربة المنزل: تُمثل ممارستها للجودة في تربية الأجيال وتنظيم بيتها “مؤشر جودة مجتمعي” لا يقل أهمية عن جودة المؤسسات، فهي التي تُصَدِّر للمجتمع جيلاً متوازناً ونقياً.

إننا نؤمن بفكرة “العدوى الحميدة”؛ فالجودة سلوك مُعدٍ ينتقل عبر “الممارسة والتفاعل المباشر”، لا عبر المحاضرات والنظريات الجامدة. فعندما يرى الموظف قدوته يتقن عمله في الخفاء، تنتقل إليه روح الجودة تلقائياً.

5. التوافق الإستراتيجي مع رؤية المملكة 2030

تنسجم مفاهيم الإتقان الجوهري مع رؤية 2030 التي جعلت من “التنافسية المستدامة” والشفافية ركيزة للتحول الوطني. ولم تقف المملكة عند حدود تبني النماذج العالمية، بل نجحت في تطوير النموذج السعودي الدولي للتميز المؤسسي” (IQE Model).

إن هذا النموذج الوطني، وبناءً على أبحاث أكاديمية مقارنة (كالبحث الصادر من جامعة القصيم)، أثبت تفوقه في معاييره على نماذج دولية عريقة مثل نموذج “ديمنج” الياباني، ونموذج “بالدريج” الأمريكي، والنموذج الأوروبي. هذا الإنجاز يبرهن على أن طموحنا الوطني ليس مجرد “لحاق” بالآخرين، بل هو “صناعة لمعايير جديدة” تنطلق من هويتنا وخصوصيتنا لتقود التميز العالمي. تعمل الرؤية اليوم كمحرك يدفعنا للانتقال من مرحلة “التحدث عن الجودة” إلى مرحلة “القياس والريادة العالمية”.

6. الخاتمة والنتائج: نحو وعي جديد بالجودة

في الختام، إن “جودة الجودة” هي نداء من القلب لمراجعة مفاهيمنا وإعادة ضبط البوصلة. الجودة ليست نظاماً يُفرض من الخارج لإرضاء المفتشين، بل هي وعي إنساني رفيع يُختار لذاته كأسمى ممارسة للحرية والمسؤولية.

التوصيات النهائية:

  1. تحويل الجودة من “ملفات ورقية” إلى “سلوك تنفسي” يومي في كافة مفاصل العمل.
  2. تفعيل الرقابة الذاتية والضمير المهني كبديل إستراتيجي وأكثر كفاءة من الرقابة الخارجية.
  3. تبني شعار “الإحسان في القول والعمل” كمعيار أوحد للنجاح المؤسسي.
  4. الإيمان بأن الجودة الحقيقية هي عبادة خفية، وهي الطريق الوحيد لرفعة الوطن ونماء الأمة.

إن الجودة الحقيقية هي تلك التي تجعلنا نضع “بوصلة القلب نحو الإتقان الصادق”، لنحقق نموذجاً يُحتذى به عالمياً، تحت ظل رؤية طموحة تقدس الإتقان وتجعل من “الإحسان” منهج حياة.

المصدر: جودة الجودة .. إعداد وتقديم : أ. حامد عبد الله العباسي

شاهد أيضاً

عصر الرقمنة المؤسسية: البنية التشغيلية وإدارة التدفق المعرفي (NX System) في ميزان الإدارة والقانون والتقنية

منشور تثقيفي من وديع بنجابي للتقنية القانونية تشهد بيئات الأعمال المعاصرة تحولاً جذرياً يتجاوز مجرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *