بقلم: نوار
في دهاليز اللغة العربية، ثمة كلمات لا تكتفي بوضع دلالاتها في قواميس العابرين، بل تقف كشواهد حية على حكايات وقصص عبرت زوايا التاريخ ولم تنطفئ. ومن بين هذه الألفاظ التي تسللت من ساحات الحروب العتيقة لتستقر في دفاتر الغزل وأسماء الحسان، تبرز لفظة “سَمَاهِر”؛ تلك الكلمة التي تحمل في طياتها صلابة الرمح، ورقّة السيرة، وعبق الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية.
إن العودة إلى تأصيل “سماهر” ليست مجرد نزهة لغوية بين الجذور والمعاجم، بل هي رحلة تأخذنا إلى “مرفأ الخَطّ” القديم في القطيف، حيث كانت السفن القادمة عبر المحيطات تلقي بأخشاب الرماح الخام على الشواطئ . هناك، في ذاك الزمن البعيد، لم تكن صناعة السلاح مجرد مهنة للحديد والنار، بل كانت فناً يمتزج فيه الصبر بالحب، والشغف بالدقة. وفي قلب هذا المشهد، تبرز الحكاية الأجمل لثنائي خَلّده التراث: “سَمْهَر وزوجته رُدَينة” .
تقول الحكاية المأثورة إن سمهر كان مهندساً بارعاً في تقويم قنوات الرماح، يُعرض الخشب الخام على لهب النار والآلات التقليدية ليزيل عنه كل اعوجاج، فيصير مستقيماً لا ينحني . وعلى الجانب الآخر من الورشة، كانت رُدَينة بلمساتها الحانية تضع اللمسات الأخيرة، تصقل المتن وتجهزه للفرسان . كانا ورشة عمل واحدة، وخط إنتاج امتزجت فيه العاطفة بالصنعة، حتى باتت الرماح تُنسب إليهما؛ فصار “السمهري” و”الرديني” عنواناً لأعلى درجات الجودة والصلابة في أدبيات العرب.
ومع مرور الأجيال، هاجرت الكلمة من ميادين القتال الموحشة وثقافة الدروع، لتستقر في محراب الجمال. فاللغة العربية، بعبقريتها المجازية، لم ترَ في الرمح السمهري مجرد أداة طعن، بل رأت فيه التجسيد الأسمى للاعتدال والاستقامة والرفعة. ومن هنا، شبّه الشعراء قامات النساء الممشوقة بالرماح الردينية والسمهرية، وتحول الجمع “سماهر” من وصف للرماح المستقيمة الصلبة، إلى اسم عَلَم يُطلق على الفتيات، يختزل في حروفه معاني القوة، والكبرياء، والاعتدال البهي.
بين حقيقة التاريخ وتمليح الرواة، تبقى قصة سمهر وردينة، ومن بعدهما اسم “سماهر”، دليلاً على أن الكلمات في لغتنا كائنات حية، تُولد من طين الأرض وعرق المهن، ثم تُحلّق في سماوات المجاز والشعر. إنها دعوة لإعادة تأمل أسمائنا والكلمات التي نلوكها يومياً؛ فخلف كل اسم عربي سِفرٌ من الحكايا، وفارسٌ ينتظر من يوقظه من رقدة السطور.