عدنان أحمد السقاف
ليست الحروبُ وحدها ما يُنهكُ الأوطان، بل إنَّ الفسادَ حين يتغلغل في مفاصل الدولة؛ يتحوَّل إلى جيشٍ خفيٍّ ينهبُ الثروات، ويُبدِّدُ الأحلام، ويُرهقُ الشعوبَ دون أن يُطلق رصاصةً واحدة. ولهذا كانت معركةُ مكافحة الفساد من أصعب المعارك؛ لأنها مواجهةٌ مع النفوس قبل أن تكون مواجهةً مع الملفات، ومع شبكات المصالح قبل أن تكون مع الأرقام والحسابات.
ومن هنا تكتسب الدعوة التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي، بدعوة المواطنين إلى المساهمة في كشف الأموال المنهوبة واستردادها، مع تخصيص مكافآتٍ لمن يُسهم في ذلك، دلالةً تتجاوز مضمونها الإداري إلى رسالةٍ وطنيةٍ مفادها أن حماية المال العام ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بأسره. فعندما يشعر المواطن أن صوته مسموع، وأن أمانته محلُّ تقدير، تتحول الرقابة من مؤسسةٍ محدودة إلى ضميرٍ وطنيٍّ واسع.
ولعلَّ هذه الرؤية تستحضر تجربةً عربيةً أثبتت أن الإرادة السياسية الصادقة قادرةٌ على تحويل مكافحة الفساد من شعارٍ إعلامي إلى مشروع دولة، وهي التجربة التي قادها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في المملكة العربية السعودية، حين أعلن أن المال العام خطٌّ أحمر، وأن لا أحد فوق القانون، مهما علا منصبه أو اتسعت دائرة نفوذه. ولم تكن تلك الحملة مجرد إجراءاتٍ استثنائية، بل كانت إعلانًا عن ميلاد مرحلةٍ جديدةٍ تُبنى فيها التنمية على النزاهة، ويُصان فيها الاقتصاد من نزيف الفساد؛ لأن الاستثمار لا يزدهر إلٌا في بيئةٍ يسودها العدل والشفافية.
إن الأمم لا تنهض بكثرة مواردها وحدها، وإنما تنهض حين تطمئن شعوبها إلى أن ثرواتها تُدار بأمانة، وأن حقوقها لا تضيع في دهاليز الفساد. فالمال العام ليس أرقامًا في خزائن الدولة، بل هو مدارس تنتظر البناء، ومستشفيات تنتظر التجهيز، وطرقٌ تنتظر الإعمار، وفرصُ عملٍ تنتظر أن ترى النور.
وإذا كانت مكافحة الفساد تحتاج إلى قوانين صارمة؛ فإنها تحتاج قبل ذلك إلى ثقافةٍ تُعلي قيمة الأمانة، وتُرسِّخ أن الإبلاغ عن الفساد ليس وشايةً، بل وفاءٌ للوطن، وأن حماية المال العام ليست تفضُّلًا، بل واجبٌ أخلاقيٌّ ودينيٌّ وحضاري.
فما أحوج دولنا العربية إلى أن تتسابق في بناء منظومات النزاهة كما تتسابق في بناء الأبراج والمدن؛ لأن أعظم الثروات ليست ما يُستخرج من باطن الأرض، وإنما ما يُستخرج من ضمير الإنسان حين يستيقظ على يقينٍ بأن الوطن أمانة، وأن كل درهمٍ يُحفظ من الهدر هو لبنةٌ تُضاف إلى مستقبل الأجيال.