عدنان أحمد السقاف
كلما حاول العقل البشري أن يتصور اتساع الكون، لجأ إلى الأعداد؛ فيرفعها إلى المليارات، ثم التريليونات، ثم إلى أرقامٍ تتجاوز حدود الكتابة والتخيُّل. غير أن هذه الرحلة الرقمية، على اتساعها، تصطدم بحقيقةٍ رياضيةٍ وفلسفيةٍ عميقة؛ فالأعداد، مهما بلغت من الضخامة، تظل أعدادًا منتهية، بينما اللانهاية ليست عددًا يمكن بلوغه، بل مفهومٌ يدل على غياب الحد الأخير.
ولو كُتب عددٌ يتكون من تريليون خانة، وكانت جميعها الرقم (9)، لكان عددًا يفوق كل ما ألفه الذهن البشري من مقاييس، بل يتجاوز بمراحل لا تُقاس العددَ التقديري لذرات الكون المرصود. ومع ذلك، فإنه يبقى عددًا محدودًا؛ إذ يمكن – من الناحية الرياضية – أن يُزاد عليه واحد، ثم ألف، ثم مليون، ثم ما شاء الإنسان من الأعداد، دون أن يخرج عن كونه عددًا منتهيًا.
ومن هنا يتجلى الفارق الجوهري بين الضخامة واللانهاية؛ فليس كل ما يعجز الخيال عن استيعابه يُعد لانهائيًا. إن الرياضيات ترسم بينهما حدًا واضحًا؛ فكل عددٍ يقبل الزيادة هو عددٌ محدود، مهما بدا مهيبًا، أما اللانهاية فلا تقع في نهاية سلسلة الأعداد، ولا يمكن الوصول إليها بالعد؛ لأنها ليست عددًا أصلًا.
أما الكون، فما يزال يخفي من أسراره أكثر مما كشف لنا. فالجزء الذي نستطيع رصده ليس إلٌا الأفق الذي بلغنا ضوؤه منذ نشأة الكون، في حين يبقى ما وراء ذلك غيبًا كونيًا لم تمتد إليه أدوات الرصد بعد. ولهذا؛ فإن العلم – بكل ما حققه من إنجازات مبهرة – لا يملك حتى اليوم دليلًا يثبت وجود حافةٍ للكون أو نهايةٍ تقف عندها رحلة المكان، كما لا يملك دليلًا ينفي ذلك بصورةٍ قاطعة. وما يزال هذا السؤال مفتوحًا أمام الأبحاث والنظريات، في مشهدٍ يفيض تواضعًا أمام اتساع المجهول.
وهنا تتوارى الأرقام، ويصمت المنطق، ويبدأ حديث القلب. فما الكون، على سعته المذهلة، إلٌا صفحةٌ من كتاب القدرة الإلهية، وما المجرات المتناثرة في أعماق الظلام إلٌا حروفٌ مضيئةٌ في سطور ذلك الكتاب العظيم. وكلما أبحر الإنسان بعقله إلى أبعد مدى، عاد بروحه أكثر تواضعًا؛ لأن نهاية العلم ليست الغرور، بل الانبهار، ونهاية المعرفة ليست الادعاء، بل السجود.
إن العجز عن الإحاطة بحدود الكون ليس نقصًا في العقل، بل تذكيرٌ بمقام الإنسان في هذا الوجود؛ فهو مخلوقٌ أُوتي من العلم ما يعينه على الاستخلاف، لا ما يجعله يحيط بأسرار الخلق جميعًا. وإذا كان العقل يقف حائرًا أمام مخلوقٍ واحدٍ من مخلوقات الله، فكيف بعظمة الخالق الذي وسعت قدرته كل شيء، وأحاط علمه بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؟
وحين يرفع المؤمن بصره إلى السماء المرصعة بالنجوم، لا يرى أجرامًا صامتةً فحسب، بل يسمع ببصيرته تسبيحًا لا ينقطع، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ ۚ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾. عندها يدرك أن أعظم رحلةٍ ليست إلى أطراف الكون، وإنما إلى معرفة الله؛ فكلما ازداد القلب قربًا من خالقه، اتسع أفقه أكثر من اتساع المجرات، وامتلأ يقينًا بأن وراء هذا النظام البديع ربًّا عظيمًا، لا تُحدُّ قدرته، ولا يُحيط أحدٌ بجلاله، وأن كل ما يكتشفه الإنسان ليس إلٌا قطرةً من بحر علمه سبحانه، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقوله جل شأنه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾.
ولعل أجمل ما يورثه التأمل في الكون أنه لا يزيد المؤمن إلٌا خشيةً ومحبةً وتسليمًا؛ فكل مجرةٍ آية، وكل نجمٍ شاهد، وكل قانونٍ كونيٍّ يردد في صمتٍ مهيب أن لهذا الوجود خالقًا أحسن كل شيءٍ خلقه، وأن العقل كلما ارتقى في مدارج الاكتشاف؛ ازداد يقينًا بأن أعظم الحقائق ليست تلك التي نراها بالعيون، بل تلك التي تستقر في القلوب: فتقود صاحبها إلى أن يقول في خشوع: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا ۖ سُبْحَانَكَ﴾.