البلوكتشين كجسر للورثة وحامٍ للملكية المشاعة: رؤية في الترميز العقاري

بقلم: المحامي و المستشار وديع بنجابي – المملكة العربية السعودية
طالما تشرّبنا في ثقافتنا الاستثمارية مقولة شعبية راسخة: “العقار هو الابن البار”؛ فهو الأصل الملموس الذي يفهمه الجميع، الملاذ الآمن الذي لا يموت، والركيزة التي تُبنى عليها الثروات العائلية. لكن هذا “الابن البار” كثيراً ما يواجه اختباراً عسيراً عند انتقال الأجيال، حيث تتحول العقارات الكبرى إلى “ملكية مشاعة” بين الورثة، تتقاذفها الخلافات وصعوبة التسييل، مما يهدد بتجميد أصول تنموية ضخمة.
اليوم، ومع الثورة الرقمية، لم يعد حل هذه المعضلات تقليدياً. هنا يأتي دور البلوكتشين (Blockchain) ليس كتقنية معقدة، بل كجسر ذكي يربط الورثة، ويحمي الملكية المشاعة، ويعيد صياغة مرونة الشركات العائلية عبر مفهوم “الترميز العقاري” (Real Estate Tokenization).

خطوة تنظيمية رائدة في المملكة

في خطوة تؤكد ريادة المملكة العربية السعودية في تبني الحلول المستقبلية، أعلنت الهيئة العامة للعقار عن الترخيص لـ 9 شركات معتمدة ضمن البيئة التنظيمية التجريبية (Sandbox) لتقديم خدمة الترميز العقاري.
هذه الخطوة لا تعني مجرد مواكبة التقنية، بل هي خلق لبيئات تنموية حقيقية تزيد من مرونة الشركات وتُعزز من إسهام القطاع العقاري في الناتج المحلي عبر قنوات استثمارية مرنة وآمنة.

ما هو الترميز العقاري؟ وكيف يعمل؟

الترميز العقاري: هو عملية تحويل ملكية العقارات المادية (سواء كانت برجاً تجارياً، شقة سكنية، أو أرضاً فضاء) أو جزء منها إلى رموز رقمية (Tokens) مسجلة وموثقة بالكامل على شبكة البلوكتشين.

يعني ذلك تحويل صك العقار الضخم إلى آلاف الحصص الرقمية الصغيرة. يتيح ذلك لأي مستثمر شراء “جزء” بسيط من عقار بقيمة صغيرة جداً دون الحاجة لامتلاكه كاملاً، وتُسجل هذه الملكية رقمياً بضمانات مشفرة غير قابلة للتلاعب، مع إمكانية تداول هذه الحصص بيعاً وشراءً بكل مرونة.

كيف يحمي البلوكتشين الملكية المشاعة ويربط الورثة؟

تواجه العائلات والشركات معضلة كبرى عند وفاة المورّث؛ حيث يتوزع العقار حصصاً مشاعة يصعب فرزها أو بيعها دون رضا الجميع، مما يؤدي غالباً إلى قضايا منظورة وتجميد للأصول. يُقدم الترميز العقاري حلاً عبقرياً هنا:

  • تسييل جزئي مرن: يمكن لأي وريث بيع حصته الرمزية (Tokens) في السوق الرقمي للحصول على السيولة، دون الحاجة لإجبار بقية الورثة على بيع العقار بالكامل.
  • حفظ الحقوق بدقة: تُسجل حصة كل شريك أو وريث بدقة متناهية على البلوكتشين، مما يمنع النزاعات حول نسب الملكية أو عوائد الإيجار.
  • مرونة الشركات العائلية: يساعد الشركات على تحويل أصولها العقارية الراكدة إلى أوراق مالية رقمية مرنة، مما يسهل إدخال شركاء جدد أو التمويل بضمان هذه الحصص.

مميزات الاستثمار في العقار المرمّز

لا تقتصر فوائد هذا التحول على فض النزاعات، بل تمتد لتصنع ثورة استثمارية شاملة تتميز بـ:

  • الديمقراطية الاستثمارية: فتح باب الاستثمار العقاري للجميع بمبالغ بسيطة تلاءم كافة الفئات.
  • الشفافية المطلقة وتقليل التكاليف: تقليل دور الوسطاء والاعتماد على العقود الذكية لتوثيق التعاملات فورياً.
  • السيولة العالية: سهولة وسرعة بيع وشراء الأجزاء الرمزية مقارنة بالصفقات العقارية التقليدية التي تستغرق أشهراً.
  • تنوع المحفظة: إمكانية الاستثمار في عدة عقارات بمناطق مختلفة بمبالغ صغيرة لتوزيع المخاطر.

كيف تحقق دخلاً من الترميز العقاري؟

يمكن لحامل الرموز العقارية (Tokens) تحقيق عوائد مالية مجدية عبر طريقين رئيسيين:

طريقة الدخلآلية العمل
1. عائد الإيجاراتإذا كان العقار المرمّز مدراً للدخل (مثل مجمع تجاري أو سكني)، يتم توزيع أرباح الإيجار تلقائياً على حملة الرموز كلٌ حسب نسبة حصته.
2. الأرباح الرأسماليةإمكانية تداول وبيع الرموز في المنصات المعتمدة؛ فإذا ارتفعت القيمة السوقية للعقار، ترتفع قيمة الرمز، مما يتيح بيعه بربح مجزٍ.

خاتمة

إن الترميز العقاري ليس مجرد صيحة تقنية عابرة، بل هو إعادة تعريف للمفهوم التقليدي لـ “الابن البار”. إنه الدمج الذكي بين أمان العقار كأصل حقيقي ملموس، وبين مرونة وسرعة العصر الرقمي. ومن خلال تنظيمات الهيئة العامة للعقار في المملكة، نحن اليوم نقف على أعتاب مرحلة جديدة تصنع بيئة تنموية تحمي حقوق الورثة، تدعم استدامة الشركات، وتفتح الأبواب لثروة عقارية مرنة ومتاحة للجميع.

شاهد أيضاً

​🏁 فرصة استثمارية نادرة: مطعم مجهز بالكامل للتقبيل

​​الموقع الإستراتيجي:يقع المطعم في قلب حي المحمدية على شارع الأمير سلطان، في موقع حيوي وجداً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *