المسافة الوفية

يجلسُ في عتمة غرفته، وبيده ريشةٌ يظنها قادرة على إعادة ترتيب المجرات.
يريد للعالم أن يكون دافئاً، فيرسم شمساً لا تغيب، شمسًا لا تحرق أحداً، شمسًا أليفة تولد من أصابعه وتنام على جدار غرفته.

هو صادقٌ جداً في رغبته، صادقٌ لدرجة الألم، لكنه عالق في قوقعة من زجاج ملون. ينظر من خلالها إلى الشارع، فيرى المارة ظلالاً وردية ترقص على إيقاع أمنياته. يظن أنه يصنع فنّاً، لكنه في الحقيقة يصنع درعاً يحميه من لسعة البرد الحقيقي في الخارج.

وعلى الرصيف المقابل، يقف فنانٌ آخر.
يرى البرد، يرى المارة بوجوههم المتعبة، ويرى الشقوق في الجدران. لا يهرب منها، ولا يغمض عينيه متمنياً زوالها. إنه يتراجع خطوتين إلى الخلف… خطوتان اثنتان فقط.

هذه هي “المسافة الجمالية”. ليست هرباً، بل هي المساحة التي يحتاجها المحارب ليرى أبعاد المعركة. خطوتان تفصلان بين دمه الساخن وبين قماش اللوحة البارد.

يمسك ريشته، لا ليصنع عذراً للواقع، بل ليعيد صياغة الألم في قالبٍ يمنحنا القدرة على النظر إليه دون أن نموت رعباً. يحول الصرخة إلى نغمة، والجرح إلى لون، والضياع إلى قصيدة.

المسافة الجمالية هي خيط حريري رفيع، مشدود بين وعيين: وعي بأن هذا العالم قاسٍ ومكسور، ووعي بأن هذا الفن المعلق على الحائط ليس العالم… بل هو مرآته الصادقة، التي نرى فيها أنفسنا بوضوح، ثم نعود للشارع ونحن أكثر قدرة على الاحتمال.

شاهد أيضاً

دليل إرشادي: دمج المسؤولية المجتمعية في نظام إدارة التطوع الذاتي (محبي مكة ساندبوكس)

اعداد المستشار وديع بنجابي 1. مقدمة وهدف الدليل يهدف هذا الدليل إلى توجيه الفريق التقني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *