إنترنت الأشخاص: نحو سيادة رقمية تعيد كتابة العقد الاجتماعي

رؤية وديع بنجابي

حين نكتب عن التقنية، يتركز النقاش غالبًا حول سرعة المعالجات، ودقة الخوارزميات، وقدرات الذكاء الاصطناعي. غير أن التقنية في جوهرها ليست مجرد أدوات، بل هي امتداد للقيم التي نؤمن بها، والطريقة التي نرى بها الإنسان وحقوقه وكرامته. ومن هذا المنطلق تنبع فكرة إنترنت الأشخاص؛ رؤية تضع الإنسان في مركز المنظومة الرقمية، بحيث تصبح التقنية خادمة له، لا متحكمة فيه.

الحق في النسيان الرقمي

أصبح الأثر الرقمي جزءًا دائمًا من حياة الإنسان. فما يُنشر اليوم قد يلاحقه بعد سنوات، وقد تتحول الأخطاء العابرة إلى سجل دائم تحتفظ به المنصات والخوارزميات. لذلك تقوم هذه الرؤية على مبدأ إنساني أصيل يمكن التعبير عنه بقولنا: “عفا الله عما سلف”، وهو ما ينسجم مع مفهوم الحق في النسيان الرقمي؛ أي تمكين الإنسان، ضمن الأطر القانونية وحقوق الآخرين، من إدارة تاريخه الرقمي، وتصحيح بياناته، وحذف ما لم يعد مشروعًا أو ضروريًا، ليبدأ مراحل جديدة من حياته دون أن يبقى أسيرًا لذاكرة رقمية لا تنسى.

من ملكية البيانات إلى السيادة الرقمية

لا تكتمل حماية الإنسان بمجرد الحفاظ على خصوصيته، بل تبدأ عندما يمتلك السيطرة الفعلية على بياناته وهويته الرقمية. وفي إنترنت الأشخاص لا تكون البيانات أصلًا تحتكر إدارته جهة واحدة، بل تصبح خاضعة لإرادة صاحبها، مع صلاحيات واضحة للمشاركة، أو الحجب، أو النقل، أو الإلغاء وفق اختياره.

بهذا المعنى، تنتقل العلاقة بين الإنسان والمنصات من التبعية إلى الشراكة، ومن الاستهلاك إلى السيادة الرقمية.

اقتصاد يقوم على المساهمة العادلة

كما تحتاج البيانات إلى سيادة، يحتاج الاقتصاد الرقمي إلى عدالة. ولذلك تقترح هذه الرؤية نماذج حوكمة حديثة، مثل المنظمات اللامركزية ذات الشخصية القانونية (LLC DAO)، بما يسمح بتوزيع القيمة وفق المساهمة الحقيقية، وليس فقط وفق حجم رأس المال أو النفوذ. فالجهد، والإبداع، والمعرفة، والعمل المجتمعي، جميعها يمكن أن تتحول إلى قيمة قابلة للقياس والتقدير ضمن إطار شفاف وقابل للتدقيق.

الذكاء الاصطناعي بوصفه وكيلًا للإنسان

في هذه الرؤية، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره بديلًا عن الإنسان، بل باعتباره وكيلًا يعمل نيابة عنه لتحقيق أهدافه. فهو يساعد في التعليم، وإدارة الممتلكات، وتحسين الخدمات، ودعم اتخاذ القرار، بينما تبقى الإرادة والمسؤولية النهائية بيد الإنسان.

إن نجاح الذكاء الاصطناعي لا يقاس بقدرته على اتخاذ القرار بدلًا عن البشر، وإنما بقدرته على تمكينهم من اتخاذ قرارات أفضل.

تطبيقات عملية للرؤية

لا تقتصر فكرة إنترنت الأشخاص على الجانب الفلسفي، بل يمكن ترجمتها إلى منظومة متكاملة من التطبيقات، منها:

  • اتعلم: منصة تعليمية تمنح المتعلم ملكية سجله وإنجازاته التعليمية.
  • أحلم وأحقق: بيئة رقمية لإدارة الأصول والمشروعات باستخدام التوائم الرقمية.
  • مغناطيس التمويل الأخضر: منصة تربط التمويل بالمشروعات ذات الأثر البيئي والاجتماعي القابل للتحقق.
  • الامتثال العابر للحدود: حلول قانونية تعتمد على العقود والسجلات الرقمية لتبسيط حفظ الحقوق وتعزيز الثقة.
  • مكافحة الغسل الأخضر: أدوات رقمية تساعد على التحقق من صحة الادعاءات البيئية وتعزيز الشفافية.
  • الهوية الفيجيتالية (Phygital Identity): هوية موحدة تربط حضور الإنسان في العالمين المادي والرقمي مع الحفاظ على سيادته على بياناته.

نحو عقد اجتماعي رقمي جديد

إن إنترنت الأشخاص ليس مشروعًا تقنيًا فحسب، بل هو تصور لعقد اجتماعي رقمي جديد، تكون فيه السيادة للإنسان، والشفافية أساسًا للحوكمة، والعدالة معيارًا لتوزيع القيمة، والذكاء الاصطناعي أداةً للتمكين لا للهيمنة.

فإذا كان الإنترنت في بداياته قد ربط الحواسيب، ثم ربط المعلومات، ثم ربط الأشياء، فإن المرحلة القادمة ينبغي أن تربط الإنسان بحقوقه، وبياناته، وإبداعه، ومسؤوليته. عندها فقط يصبح الإنترنت أكثر إنسانية، وأكثر عدلًا، وأكثر قدرة على خدمة المجتمعات، لا مجرد إدارة بياناتها.

مكة… من الجغرافيا إلى الفكرة

إذا كانت المدن تُعرف بما تبنيه من عمران، فإن مكة عُرفت عبر تاريخها بما تبنيه في الإنسان. فهي ليست مجرد مكان، بل تجربة حضارية قامت على الأمان، والثقة، والتعارف، وصون الكرامة الإنسانية.

ومن هذا الإرث يمكن أن نستلهم مستقبل التقنية. فكما احتاجت المجتمعات إلى عقد اجتماعي ينظم علاقاتها في العالم المادي، فإن العالم الرقمي يحتاج اليوم إلى عقد اجتماعي جديد، تكون فيه سيادة الإنسان أصلًا لا استثناء، والبيانات حقًا لا سلعة، والذكاء الاصطناعي شريكًا في التنمية لا أداة للهيمنة.

إن إنترنت الأشخاص ليس دعوة إلى استبدال التقنيات القائمة، بل إلى إعادة توجيهها نحو غايتها الحقيقية: خدمة الإنسان، وصون كرامته، وتعزيز حريته، وتمكينه من امتلاك هويته وبياناته ومستقبله.

وربما يكون التحدي الأكبر في القرن الحادي والعشرين ليس بناء خوارزميات أكثر ذكاءً، بل بناء منظومات أكثر عدلًا، يكون الإنسان فيها هو الغاية، لا المنتج؛ وهو المالك، لا المادة الخام؛ وهو صانع المستقبل، لا مجرد مستخدم له.

شاهد أيضاً

بين “اعتزل ما يؤذيك” وصلة الرحم: عندما تتحول العزلة إلى نزعة انفرادية

في الآونة الأخيرة، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقولة “اعتزل ما يؤذيك” .. واتُّخذت شماعة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *