
1. إفراغ المشهد من البشر (خارج حدود التاريخ)
السمة الأكثر غرابة في إعادة صياغة اللوحة الأصلية لمدينة مكة المكرمة هي الغياب التام للمصلّين والحجّاج. بدلاً من إظهار الكعبة المشرفة محاطة بالحشود كالمعتاد، اختار الفنان إخلاء الساحة بالكامل. هذا التجريد يضع المكان في زمن ميتافيزيقي أو سريالي — إما في حقبة سحيقة قبل وجود البشر، أو في مستقبل بعيد يتجاوز التاريخ البشري المعروف.
2. الكائن الخرافي أو “الديناصور”
المخلوق الضخم ذو الرقبة الطويلة الذي يظهر في الخلفية يثير الكثير من التساؤلات:
- تداخل الجسد مع الطبيعة: رقبة الكائن وجسده يندمجان مع الجبال الصخرية المحيطة بالحرم. عيناه تبدوان مغمضتين بهدوء وكأنه في حالة تأمل أو حلم.
- كسر الواقعية: وجود هذا الكائن الخرافي يهدف جلياً إلى إزالة أي صبغة “وثائقية حقيقية” عن الخرائط والرسومات القديمة. يريد الفنّان تذكيرنا بأن المشاهد التاريخية التي سجلها المستشرقون والرحالة الأوربيون لم تكن خالية من المخيلة والتصورات الخاصة بهم.
3. نقد “رسم الخرائط الاستشراقي”
اللوحة مستوحاة من رسمة وضعها النمساوي أندرياس ماغنوس هونغلينغر عام 1803. في تلك الحقبة، كان الغرب يرسم جغرافيا العالم العربي والشرق الأوسط بمنظور يخلط بين الرغبة في التوثيق وبين الخيال الأسطوري (الاستشراق). على سبيل المثال، تظهر سلاسل الجبال في اللوحة الأصلية بتضاريس تشبه الجبال الأوروبية الحادة بدلاً من طبيعة جبال مكة الحقيقية. وائل شوقي يعيد تقديم هذا التناقض ليطرح سؤالاً: “إلى أي مدى يمكننا تصديق التاريخ المكتوب أو المرسوم عن منطقتنا من قِبل الآخرين؟”
4. خامة الخشب المحفور (الماركتري)
استخدام خشيبات محفورة ومصبوبة بالزيت ليس مجرد اختيار جمالي، بل هو حرفة يدوية معقدة تتطلب طبقات متعددة من التركيب. يعطي الخشب المحفور اللوحة إيحاءً بأنها “مخطوطة أثرية مجسمة”، مما يمنح الفكرة عمقاً مادياً يلمسه المشاهد، وكأن التضاريس الجغرافية والحيوانية نبتت معاً من قشرة الأرض وسطح الخشب.
5. سياق “مشروع الخليج”
تعتبر هذه اللوحة جزءاً من مشروع الفنان الأوسع المسمى The Gulf Project Camp. في هذا المشروع، يدرس وائل شوقي تاريخ شبه الجزيرة العربية وتحولاتها الكبرى عبر القرون (من الهجرات والتحالفات القبلية، ونشأة الدول، إلى ظهور النفط وتحولات الاقتصاد السياسي). يستعين الفنان في أعمال هذا المشروع بمواد تعبيرية غريبة (كالقطران، غبار المعادن، والمنحوتات البرونزية) ليفكك التاريخ الرسمي ويعيد صياغته بأسلوب يجمع بين الفولكلور والواقع والميثولوجيا.