بقلم المستشار وديع بنجابي
في عالم تحكمه الميزانيات الضخمة ومختبرات الأبحاث المليئة بالتمويل، تبرز من جنوب آسيا كلمة هندية فريدة تحولت من مجرد تعبير دارج إلى فلسفة عالمية في الإدارة وحل المشكلات؛ إنها كلمة “Jugaad” (جُوگاد) .
الجذور اللغوية: من الآلة البدائية إلى المفهوم
يعود الأصل اللغوي للكلمة إلى شمال الهند، وكانت تُطلق تاريخياً على مركبة ريفية مبتكرة يصنعها المزارعون بأنفسهم. يقوم المزارع بتركيب محرك مضخة مياه ديزل قديم على هيكل عربة خشبية بدائية، ليصنع مركبة نقل رخيصة وفعالة .
مع الوقت، تطورت الكلمة لغوياً لتتحول من اسم يرمز لهذه المركبة، إلى فعل ومفهوم يعني: “إيجاد حل ذكي، سريع، ومنخفض التكلفة لمشكلة معقدة باستخدام ما هو متاح من أدوات” .
البُعد الثقافي: الحاجة أم الاختراع؟
في الثقافة الهندية، لا يعبر الـ Jugaad عن مجرد “ترقيع” مؤقت للمشاكل، بل يعكس عقلية مرنة تتحدى الندرة. ففي بيئة تعاني من نقص الموارد والبيروقراطية، تعلم الإنسان هناك ألا ينتظر الحلول الجاهزة، بل أن يصنع حلوله بنفسه بما يملك.
تتقاطع هذه الكلمة ثقافياً مع مصطلحات في مجتمعات أخرى؛ ففي الثقافة العربية نطلق عليها “راعي دبرة“ او “شطارة” أو “تدبير وتصريف أمور”، وفي الثقافة البرازيلية تُعرف بـ Jeitinho، بينما يسميها الغرب اليوم Lifehack أو Workaround. لكن Jugaad تمتاز بأنها تجمع بين عفوية الحاجة وذكاء الهندسة البديهية.
من الشارع إلى الشركات العالمية
لم يعد المفهوم حكراً على القرى الهندية، بل انتقل إلى أدبيات الإدارة وإدارة الأعمال الدولية تحت اسم “الابتكار المقتصد” (Frugal Innovation). تدرس كبرى الجامعات والشركات اليوم كيف يمكنها تبني عقلية الـ Jugaad لتقليل تكاليف الإنتاج، وتطوير منتجات عملية تناسب الملايين بأقل استهلاك ممكن للموارد والطاقة.
خاتمة
تثبت لنا كلمة Jugaad أن اللغة ليست مجرد أصوات، بل هي مرآة لأسلوب حياة الشعوب في مواجهة التحديات. إنها تذكير لغوي وثقافي بأن العبقرية الحقيقية لا تتطلب دائماً أدوات معقدة، بل تتطلب عيناً ترى في النقص فرصة للابتكار.