كتب: محمد عمارة – القاهرة
عندما يصل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى نيوم، وتُستقبِلُهُ هناك بحفاوةٍ تماثل ما بين أخوين، يكون المشهد تعبيرًا حيًّا عن ما بات يُطلق عليه “القَوّة الناعمة للعلاقات العربية” بين القاهرة والرياض. لا صفقات تُقام فحسب، ولا كلمات تُقال لتعبئة الإعلام، بل رسم لمسار مشترك يُعانق التحديات في منطقتنا والعالم، ويبحث كيف تكون مصر والسعودية شريكين لا يتنافسان، بل يكملان بعضهما البعض.
في بيانٍ رسمي، صرّحت الرئاسة المصرية بأن زيارة السيسي إلى السعودية هي “تلبية لدعوة ولي العهد”، و”تأتي في إطار العلاقات التاريخية الراسخة التي تجمع بين البلدين”، مؤكدًا أنه يجسد حرص القيادتين على “مواصلة تعزيز التعاون الثنائي والتشاور والتنسيق المستمر” بينهما.
من جانبه، عبر الأمير محمد بن سلمان عن اعتزازه بما يجمع المملكة بمصر من علاقات أخوية راسخة.
وفي خطوة مؤسسية هامة، أصدر الرئيس السيسي قرارًا بتشكيل مجلس التنسيق الأعلى المصري – السعودي برئاسة السيسي والأمير محمد بن سلمان، لتعميق العلاقات في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والتنموية وغيرها.
الأرقام تتحدث: التعاضد الاقتصادي والتبادل التجاري
بلغ حجم التبادل التجاري بين مصر والسعودية حوالي 11.3 مليار دولار في عام 2024، مقارنة بـ 8.2 مليار دولار في عام 2023، بارتفاع نسبته نحو 37.8%.
الاستثمارات السعودية في مصر خلال العام المالي 2023/2024 بلغت 775.5 مليون دولار، بينما انخفضت الاستثمارات المصرية في السعودية إلى 190 مليون دولار، مقارنةً مع السنة المالية السابقة.
من جهة أخرى، السعودية تُعد ثاني أكبر شريك تجاري لمصر، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 12.8 مليار دولار في 2023.
الصندوق السعودي للتنمية شارك أيضًا بدورٍ تنموي مهم، حيث بلغت مساهماته حوالي 8846.61 مليون ريال في 32 مشروعًا حيويًا في مصر.
التحديات التي تجمع الدور الإقليمي
لا تتوقف المحادثات بين السيسي وبن سلمان عند الحدود البلدية أو التبادل التجاري فقط، بل تمتد إلى ملفات إنسانية وسياسية وإقليمية، أبرزها تطورات الأوضاع في قطاع غزة، الموقف من الحروب والنزاعات في سوريا، لبنان، ليبيا، السودان، واليمن، وأمن البحر الأحمر.
للقضية الفلسطينية خصوصية، إذ أكدت مصر دعمها الكامل للمبادرات السعودية، ورفضها لأي انتهاكات في الأراضي الفلسطينية، فيما تعمل الرياض والقاهرة على تحريك الجهود الدولية لحل الدولتين.
رؤية مشتركة: من المستقبل إلى الإنجاز
على مستوى الرؤية المصرية 2030 والرؤية السعودية 2030، هناك تقاطع كبير في التركيز على التنمية، البنية التحتية، الصناعة، السياحة، الطاقات المتجددة، والخدمات الرقمية. الاتفاقيات الأخيرة تُظهر رغبة أنشط في جعل التنسيق ليس مُجرّد كلام بل عمل على الأرض.
وسيكون مجلس التنسيق الأعلى أداة محورية لضمان استمرارية المشاريع، تسريع الإجراءات، وضمان التزام الجانبين بالاتفاقات.
إن الصورة التي تتبلور اليوم بين مصر والسعودية ليست فقط صورة تحالف دولي يُكمّل التشابك الجغرافي والسياسي، بل هي مشروع استشرافي يُعيد رسم خارطة التأثير العربي في ظل تقلبات المنطقة. فهل سنشهد في السنوات القادمة مصر تُصبح مركزًا للحاضنات الصناعية للمملكة؟ وهل تتحوّل السعودية إلى بوابة مصر نحو أفريقيا وآسيا؟ عندما يتحدّث الأرقام، تُحكى الحكاية الحقيقية؛ والعلاقات المصرية-السعودية دخلت الآن في فصلٍ حيث لا مجال للتراجع، بل للإبداع والبناء. الأيام القادمة كفيلة بالكشف عمّا لا يُقال، ولكن يُخَيَّلُ للعيون أنّه يُحضَّر بشغفٍ كبير.