رحيل القدوة.. وداعاً أستاذ الأجيال أ.د. عبدالعزيز عقاب


بقلم: أ.د. أنس سراج دبلول

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، نودع اليوم علماً من أعلام العلم والإنسانية، وأستاذاً لم يكن مجرد محاضر في قاعات الدراسة، بل كان والداً وموجهاً وقدوة لنا جميعاً؛ سعادة الأستاذ الدكتور عبدالعزيز مصطفى عقاب، أستاذ الأحياء الدقيقة الذي ترك بصمة لا تُمحى في قلوب أجيال تعاقبت على نهله.

​من ميادين الرياضة إلى قمم العلم

​بدأت رحلة الفقيد بتميز لافت، حيث كان نجماً كروياً سابقاً في “نادي الوحدة”، لكن طموحه العلمي سار به نحو آفاق أرحب، فشدَّ الرحال إلى بريطانيا لينال درجتي الماجستير والدكتوراه. وهناك، تجلى نبوغه في بحث علمي رصين مكّنه من اختصار سنوات الدراسة إلى ثلاث سنوات فقط. وشعوراً منه بفضل الله عليه، عاد إلى أرض الوطن بروح “المُحسن”، ليخدم دينه ووطنه في جامعة أم القرى بكلية العلوم التطبيقية.

​مسيرة حافلة بالعطاء الأكاديمي

​تدرج الدكتور عبدالعزيز في العمل الإداري والأكاديمي حتى نال ثقة القيادة بتعيينه عميداً للكلية. كانت رؤيته واضحة: “الطالب أولاً، والتطوير أساس”. فكان هو من وضع اللبنات الأولى لاستقلال كلية الهندسة عن كلية العلوم التطبيقية، مع استمراره في شغفه البحثي حتى نال درجة “البروفيسور”.

​لقد كان “محبوب الطلاب الأول”؛ بابتسامته الدائمة وعزيمته التي يبثها في نفوسهم. وكأن القبول الذي وضعه الله له في الأرض هو تجسيد للحديث الشريف: (إنَّ اللَّهَ إذا أحَبَّ عَبْدًا… وُضِعَ له القَبُولُ في الأرْضِ).

​مواقف إنسانية لا تُنسى

​طوال مسيرتي الدراسية وبعد تخرجي، لم ألتقِ بطالب في مختبرات مستشفيات مكة المكرمة إلا وكان يذكره بخير. كان ملجأً للجميع، يقف بصف الطالب ويدعمه في معضلاته الأكاديمية والشخصية. شرفتُ بأن كان أحد المناقشين لي في مرحلة الماجستير، وظل وصلي به مستمراً براً ووفاءً.

​زيارة الوفاء.. وبشارة الأستاذية

​حين منّ الله عليَّ بالحصول على درجة الأستاذية (بروفيسور)، توجهتُ إلى منزله العامر لأبشره بأن أحد أبنائه قد سار على خطاه. رافقني في تلك الزيارة زملاء أحبوه وقدروه، وهم: أ.د. سعد الغامدي، أ.د. سامي أشقر، وأ.د. لؤي الكاظمي. رغم المرض الذي أثقل جسده، استقبلنا بحفاوة بالغة وروى لنا من ذكرياته الشيقة ما أثلج صدورنا، وحملناه تحيات تلاميذه ومحبيه في الجامعة ووزارة الصحة.

​الختام.. أثرٌ لا ينقطع

​بعد أشهر قليلة من تلك الزيارة، فاضت روحه الطاهرة إلى بارئها. رحل البروفيسور عبدالعزيز عقاب، لكنه ترك خلفه “إرثاً من النور”. صدق من قال “من خلّف ما مات”، فقد ترك أبناءً بررة يحملون راية العلم: (الدكتور صيدلي عبدالله، ومحمد طالب الصيدلة، والدكتورة مدى المحاضرة بكلية العلوم الطبية)، إضافة إلى جيش من التلاميذ الذين يدعون له في كل سجدة.

​رحم الله أستاذي ووالدي، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عنا خير ما جزى عالماً عن أمتِه.

شاهد أيضاً

✈️ “السعودية” تحلق إلى موسكو: الكرملين المصغّر في مزرعة الكابتن مكي يُعلن عن مرحلة جديدة للربط الجوي

جدة: الجمعة 27 يونيو 2025في خطوة إبداعية سبّاقة تهدف إلى تعزيز الوعي السياحي بالوجهة الجديدة، …