محرر قسم الثقافة و الفنون بمحبي مكة
و سعود محمد
في المشهد الثقافي المعاصر، لم يعد السؤال هو: هل نقرأ؟
بل: كيف نقرأ؟ وبأي أدوات؟ ومن أي بوابة ندخل إلى المعنى؟
ضمن هذا التحوّل، يبرز نشاط الأستاذة وسن الناجم بوصفه مشروعًا تثقيفيًا متماسكًا، لا يقوم على تقديم محتوى أدبي فحسب، بل على إعادة تعريف فعل القراءة نفسه، عبر المانجا، والشعر، والفن البصري، والمشاركة الجماعية.
المانجا: من الهامش إلى قلب الأدب
تتعامل وسن الناجم مع المانجا بوصفها أدبًا بصريًا لا يقل عمقًا عن الرواية أو القصيدة. هذا الموقف ليس شائعًا بعد في الثقافة العربية، حيث ما تزال المانجا تُختزل غالبًا في كونها مادة ترفيهية أو منتجًا موجّهًا للأطفال والمراهقين.
غير أن المانجا – تاريخيًا – نشأت كوسيط سردي معقّد، قادر على معالجة قضايا وجودية كبرى: الفقد، والهوية، والطبقية، والنضج النفسي، والعلاقة مع السلطة والمجتمع. وهي بذلك تشترك مع الأدب المكتوب في الغايات، وتختلف عنه في الأدوات.
من هذا المنطلق، تُعيد وسن الناجم طرح سؤال جوهري:
لماذا نقبل بالرواية كأدب، ونستبعد المانجا، رغم أنهما يشتغلان على السرد ذاته؟
Candy Candy: نص تربوي مقنّع بالجمال
يظهر هذا الطرح بوضوح في تناولها لمانجا Candy Candy، أو «سلمى الجميلة» كما عُرفت عربيًا. هذا العمل، الذي ارتبط في الذاكرة الجمعية بالطفولة، يُعاد تفكيكه في ورش وسن الناجم كنص أدبي بالغ العمق.
Candy Candy ليست حكاية بريئة فحسب؛ بل سردية عن:
- اليُتم بوصفه تجربة وجودية.
- التفاوت الطبقي.
- التربية القاسية مقابل التربية الحنونة.
- تشكّل الوعي الأنثوي في عالم غير عادل.
- الصراع بين المثالية والواقع.
المانجا هنا تقوم بما تعجز عنه كثير من النصوص التعليمية:
تُعلّم دون أن تُلقّن، وتُوجع دون خطاب مباشر، وتبني الذائقة من حيث لا يشعر القارئ.



الصورة كأداة تفكير لا تزيين
أحد المحاور المركزية في مشروع وسن الناجم هو تحرير الصورة من كونها زينة للنص، وإعادتها إلى موقعها الأصلي: أداة تفكير وتأويل.
هذا الفهم هو ما يربط بين اهتمامها بالمانجا، وتقديمها لفعالية «القراءة بالعرض البصري» لقصيدة وضعوني في إناء للشاعر أحمد مطر.
المنهج واحد، وإن اختلف النص.
في الورشة التي أُقيمت في أنتيك كافيه، لم يكن الهدف شرح القصيدة أو تفسيرها تفسيرًا جاهزًا، بل تفجير المعنى بصريًا. حين طُلب من الحضور تحويل الأبيات إلى رسومات، حدث ما يشبه إعادة كتابة النص، ولكن بلغة أخرى.
وهنا تتقاطع المانجا مع الشعر:
- كلاهما يعتمد على الإيقاع.
- كلاهما يستخدم الفراغ والصمت.
- كلاهما يترك مساحات غير مكتوبة ليملأها المتلقي.
التربية على التأويل… لا على الحفظ
ما تشتغل عليه وسن الناجم في العمق هو تربية الذائقة التأويلية.
أي تدريب المشاركين على:
- طرح الأسئلة بدل البحث عن إجابة واحدة.
- تقبّل تعدد القراءات.
- إدراك أن المعنى لا يُستخرج، بل يُبنى.
المانجا، بحكم طبيعتها القائمة على الإطار، والانتقال، والاختزال، تُعد وسيطًا مثاليًا لهذا النوع من التربية. فهي تُعلّم القارئ أن ما بين الإطارات لا يقل أهمية عما داخلها. وهذا بالضبط ما يحتاجه القارئ المعاصر لفهم الشعر، والفلسفة، وحتى الخطاب الإعلامي.
الأدب خارج القاعة… داخل الحياة
اختيار المقهى كمكان للورش، سواء للمانجا أو للشعر، ليس تفصيلاً لوجستيًا، بل جزء من الرؤية. فالأدب – في هذا المشروع – يُستعاد إلى الحياة اليومية، ويُنزَع عنه طابع الرسمية والنخبوية.
وهنا تتقاطع أنشطة وسن الناجم مع أهداف مبادرات الشريك الأدبي، المدعومة من هيئة الأدب والنشر والترجمة، في توسيع مفهوم الأدب ليشمل:
- التجربة.
- التفاعل.
- الفن.
- الحوار المجتمعي.
مشروع ثقافي متكامل
لا يمكن قراءة نشاط وسن الناجم بوصفه سلسلة ورش منفصلة. ما يتشكّل هنا هو مشروع ثقافي متكامل، أدواته متعددة، لكن سؤاله واحد:
كيف نُنشئ قارئًا يرى، ويفكّر، ويتأمّل، بدل قارئ يحفظ ويستهلك؟
في هذا المشروع:
- المانجا ليست مرحلة طفولة، بل مدخل وعي.
- القصيدة ليست نصًا مغلقًا، بل مساحة لعب فكري.
- الرسم ليس موهبة، بل لغة ثانية للفهم.
وهكذا، يتحوّل الأدب من مادة تُقرأ… إلى تجربة تُعاش.
بين التفسير والعقيدة… وتأملات في الوعي والقراءة
في حوار امتد من المانجا إلى الفلسفة، ومن القصيدة إلى سؤال الخوارزمية، اكتشفت أن ما يشغلني ليس موضوعًا بعينه، بل الطريقة التي تتشكل بها أفكارنا. كيف نقرأ؟ كيف نفهم؟ ومتى يتحول الفهم إلى يقين مغلق؟
بدأ الحديث عن المانجا، عن أعمال مثل Candy Candy التي ظنناها في طفولتنا مجرد حكاية عاطفية، ثم عدنا لنراها لاحقًا نصًا أدبيًا بصريًا عميقًا. هناك، في قصة فتاة يتيمة تواجه عالمًا غير عادل، لم نكن نتعلم الحزن فقط، بل نتعلم معنى الكرامة الداخلية. المانجا لم تكن رسوماً، بل تدريبًا مبكرًا على قراءة ما بين السطور… وما بين الإطارات.
ومنها انتقلنا إلى سؤال الوعي الأنثوي. كيف يتشكل في عالم غير عادل؟
هنا بدا لي أن الوعي لا يولد في الفراغ. إنه يتكون في الاحتكاك. في الشعور بالفروق. في ملاحظة ما يُسمح به وما يُمنع. الوعي ليس صفة بيولوجية خالصة، ولا اختراعًا نظريًا، بل استجابة لتجربة. تجربة قد تختلف بين امرأة ورجل، لكنها في جوهرها إنسانية: إدراك أن العالم ليس متوازنًا بالكامل، ومحاولة فهم موقعنا داخله.
ثم جاء السؤال الأعمق: هل هذا التفسير نفسه قد يتحول إلى عقيدة؟
وهنا توقفت طويلًا.
كل تفسير يبدأ متواضعًا. يقول: “هذا أفضل ما نفهمه الآن.”
لكن شيئًا ما يحدث عندما يتكرر، عندما يُربط بالهوية، عندما يمنح شعورًا بالثبات. يتحول من أداة للفهم إلى معيار للحكم. من احتمال إلى يقين. من نافذة إلى جدار.
في تلك اللحظة، لا نعود نستخدم الفكرة لفهم العالم، بل نستخدمها لفرز الناس.
الأمر لا يخص قضية بعينها. يمكن أن يحدث في الفلسفة، في العلم، في السياسة، وحتى في أكثر الأفكار تقدمًا. الخطر ليس في التفسير، بل في تجميده. في الخوف من مراجعته. في اعتباره نهاية النقاش لا بدايته.
سؤال تحيز الخورزميات أعادني إلى جوهر المسألة. لا توجد معرفة بلا سياق. كل خطاب يحمل أثر البيئة التي نشأ فيها. لكن الفرق بين خطاب حي وخطاب متصلب هو قدرته على الاعتراف بإمكان الخطأ.
ربما هذا هو الخيط الذي جمع المانجا بالشعر بالفلسفة في هذا اللقاء
كلها دعوة لقراءة العالم دون استعجال في إصدار الحكم.
المانجا تعلمنا أن الفراغ بين الإطارات ليس فراغًا حقًا.
الشعر يعلمنا أن المعنى لا يُقال بالكامل.
الفلسفة تعلمنا أن السؤال أهم من الاطمئنان السريع.
أفكر الآن أن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نبحث عن أفكار تمنحنا راحة نهائية. الراحة مغرية، لكنها قد تكون أول خطوة نحو الجمود. المعرفة الحقيقية تبدو أقل صخبًا، وأكثر تواضعًا. هي مستعدة لأن تتغير.
في النهاية، لم يكن الحديث عن الوعي الأنثوي أو الذكوري، ولا عن المانجا أو الخوارزميات. كان الحديث عن شيء أوسع: كيف نبقى يقظين فكريًا؟ كيف نحافظ على أفكارنا مرنة، دون أن نفقد ثباتنا الأخلاقي؟
ربما الإجابة ليست في اختيار تفسير بعينه، بل في طريقة حمله. أن نحمله كما نحمل كتابًا مفتوحًا، لا كلوحٍ مغلق. أن نقرأ، ونعيد القراءة، ونترك دائمًا هامشًا للدهشة.
فالوعي لا ينمو في المسلّمات، بل في المسافة بين السؤال واليقين.